روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

218

عرائس البيان في حقائق القرآن

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 53 ] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ : بسط الحق في هذه الآية بساط عطايا ، وفجّر أبحر كراماته لعطاش الرحمة ، ورفع سجوف الغيرة عن أطباق الأسرار أي : إيش بكم عبادي ، مني تخافون ، ومن رحمتي تقنطون ، لا تخافوا ، ولا تحزنوا ؛ فإني أحببتكم في الأزل ، وحكمت بإجراء الذنوب عليكم ، وأنا عالم في الأزل بذنوبكم قبل وجودكم ، ولو كنت غضبان عليكم بذنوبكم ما أحببتكم ، في الأزل أجريتها عليكم ؛ لافتقاركم إليّ ؛ وعجزكم بين يديّ ، كيف يقدح ذنوب الأولين والآخرين على بحار رحمتي الواسعة ، وجميع الحدثان أقل من قطرة في بحار رحمتي ! فأنا فتحت خزائن جودي يدخل عصيان جميع خلائقي في حاشية من حواشيها ، وهذه الآية من أعظم توجيه العباد جميعا ، يسلّي اللّه بها قلوب الخائفين الذين يحتشمون من دقائقه ، فيقول : لا بأس بكم ؛ فإني أغفر الصغائر والكبائر والأسرار والضمائر ، أطهركم عن الجميع ، وألبسكم أنوار رحمتي حتى تبقوا معي أبدا ، وتنظروا إلى وجهي الكريم بلا حساب ولا عتاب ولا حجاب ولا عذاب . قال سهل : أمهل عباده تفضلا منه على آخر نفس ، فقال لهم : لا تقنطوا من رحمتي ، ولو رجعتم إلى بابي إلى آخر نفس لقبلتكم . قال الجريري : أمر اللّه عباده ألا يعتمدوا أعمالهم ، ولا يقنطوا من التقصير فيها ؛ فإن الرعاية والعناية سبقت بالعبادة ، ألا تراه يقول : قُلْ يا عِبادِيَ . وقال يحيى بن معاذ : في كتاب اللّه كنوز موجبة للعفو عن جميع المؤمنين ، منها قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 54 إلى 55 ] وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ أي : ارجعوا بنعت التفريد عن غيره ، إليه خاشعين ، متضرعين مشتاقين إلى جماله ، مستحيين منه مما مضى في سالف الدهور عنكم بغير أنفاس مراقبة هلال جماله ، نادمين من ذلك ، وانقادوا له كالعاشق الواله المشغف الشائق المتضرع بين يدي معشوقه احتياجا منه إليه حين تدركونه بوصف الجلال والجمال