روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

215

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها : خلق اللّه الأرواح قبل الكون بين النور والسرور ، وتجلى لها من حسنه وجماله ، فارتاحت بروح ملكوته ، واستبشرت بجمال جبروته ، فلما أدخلها في الأجساد انقبضت من الاحتجاب بها عن تلك النسائم ، فتشامت ، واستنشقت نفحات معادنها في الأشباح ، فيتلطف عليها الحق سبحانه ، فيخرجها كل ليلة من الأشباح ، ويطيرها في بساتين ملكوته ، ويلبسها سربال نوره ، حتى تجددت عليها لذائذ المحبات وحلاوات المشاهدات ، وتزيد رغبتها في قرب مولاها وخدمته ، فمن حان أجلها من خروجها من الدنيا إلى الحضرة يمسكها عند توفيها إما بالموت وإما بالنوم ، ومن بقي لها بعض سيرها في عالم الامتحان يرسلها إلى محلها إلى وقت خروجها بالكلية إلى عند مولاها ، وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ أرواح المؤمنين تصعد كلّ ليلة إلى تحت العرش ، فمن نام على طهارة أذن لها بالسجود ، ومن لم ينم على الطهارة لم يؤذن » « 1 » . قال سهل : إن اللّه إذا توفى الأنفس أخرج الروح النوري من لطيف نفس الطبع الكثيفي ، فالذي يتوفّى في النوم من لطيف نفس الطبع ، لا لطيف نفس الروح ، والنائم يتنفس تنفسا لطيفا ، وهو نفس الروح الذي إذا زال لم يكن للعبد حركة وكان ميتا . وقال : حياة نفس الطبيعي بنور لطيف ، وحياة لطيف نفس الروح بذكر اللّه . وقال أيضا : الروح يقوم بلطيفة في ذاتها بغير نفسي الطبع ، ألا ترى أن اللّه خاطب الكل في الذّر بنفس وروح وفهم وعقل وعلم لطيف بلا حضور طبع كثيف ؟ ! [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 44 ] قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 ) قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً : بيّن أنه مرجع الكل الشافع والمشفع ؛ حتى يرجع العبد العارف إليه بالكلية ، ولا يلتفت إلى أحد سواه . قال الواسطي : قطع أطماع العباد عن أن يصل إليه أحد إلا به بقوله : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ، و مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 )

--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 3 / 116 ) بنحوه .