روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
208
عرائس البيان في حقائق القرآن
بالهداية إليه والعلم به العقل فيما يسمع ، بيّن الشيخ أبو بكر بن طاهر - قدس اللّه روحه - أن المراد به سماع القول ، وأن العارف العاشق بجمال الحق يلقى سمع الخاص في مقام المراقبة على بساط القرب ، والحق سبحانه يتكلم بكل لسان من العرش إلى الثرى ، فلحظة نطق على ألسنة الطيور في ألحانها ، وساعة نطق في أصوات الخلائق المختلفة ، وعلى ألسنة السماوات والأرضين والجبال وحركات الرياح والأشجار والمياه ، وعلى ألسنة الملائكة والأرواح والنفوس ، فبعض إلهام ، وبعض إلمام ، وبعض وحي ، وبعض كلام ، فالأحسن منها أن يتكلم معهم بكلامه العزيز الخاص الصفاتي الذاتي الخارج من الوسائط والوسائل ، فذلك العارف العاشق يسمع الكل من روحه ونفسه وعقله وقلبه وعدوه والملك والأولياء والأنبياء وحركات الأكوان وأهلها ، فيتبع جميع الخطابات من حيث إدراك حقائقها ما يوافق حاله وعلمه وعمله رسما ، ويتبع الكلام الأزلي الذي هو أحسن الخطاب بالفهم العجيب والعلم الغريب والإدراك الصافي وانفراد الحق من المخلوق بالمحبة والشوق والعشق والمعرفة والتوحيد والإخلاص والعبودية والربوبية والحرية ، فهذا فضل ورد بالبديهة من حيث ظهور الأنباء الغيبية والروح القدسية والإلهامات الربانية . قيل : هذا فضيلة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم على غيره أن الأحسن ما يأتي به ، وإن كان الكل حسنا ، ولما وقعت له صحبة التمكين ومقارنة الاستقرار قبل خلق الكون ، ظهرت عليه الأنوار في الأحوال ، وكان معه أحسن الخطاب ، وله السبق في جميع المقامات ، ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة » « 1 » : يعني الآخرون وجودا السابقون في الخطاب الأول في الفضل في محل القدس . وقال الأستاذ : اللام في قوله القول للعموم يقتضي حسن القول ، الاستماع يكون لكل شيء ، والاتباع يكون للأحسن . وقيل : للعبد دواع من باطنه هواجس النفس ووسواس الشيطان وخواطر الملك والخطاب الحق يلقى في الروع ، فوسواس الشيطان يدعوه إلى المعاصي ، وهواجس النفس تدعوه إلى ثبوت الأشياء منه مما له فيه نصيب ، وخواطر الملك تدعو إلى الطاعات ، وخطاب الحق في حقائق التوحيد . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 22 ] أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 22 )
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 299 ) ، ومسلم ( 2 / 585 ) .