روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
198
عرائس البيان في حقائق القرآن
اعوجّوا من حد الاستقامة إلى حد التلوين ، وما احتجبوا بشيء عنه تعالى ؛ فإنهم أولو القوة الألوهية والبصائر الربانية . قال ابن عطاء : أَخْلَصْناهُمْ لنا ، وخصصناهم بنا ومعنا . وقال : بِخالِصَةٍ تلك الخالصة خلو سره عن ذكر الدارين وما فيهما حتى كان لنا خالصا مخلصا . قال سهل : أخلصهم له دون ذكرهم له ، وليس من ذكر اللّه باللّه كمن ذكر اللّه بذكر اللّه . قال أبو يعقوب السوسي : لما قال أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ صفت قلوبهم لذكره عند ذلك ، ورقت أرواحهم له بإرادته ، فهم في مكشوف ما تقدم لهم في الغيب سبقت لهم منه الحسنى ، فصاروا بدرجة المخلصين ، ثم زاد في وصفهم بقوله : وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) ذكر العندية ، وقرن بها الاصطفائية ، وبيّن أن اصطفائيتهم في العبودية أزلية قبل وجود الكون ، فإذا كانت الاصطفائية أزلية يسقط عنها أسباب الحدثان ، فصار شرفهم خاصّا وموهبة خالصة بلا علل ؛ لذلك قال : وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 71 إلى 86 ] إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 72 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 73 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 74 ) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ( 75 ) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) قوله تعالى : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ : بيّن اللّه سبحانه ههنا تفضيل آدم على الملائكة المقربين ؛ فالخطاب لأكابرهم ؛ إذ كان روحه خلقت قبل أرواحهم ؛ إذ روحه تكونت من ظهور تجلي الحق بجميع الذات والصفات كاملة بخلعة كسوة الربوبية التي ألبسها الحق حتى صارت مرآة يتجلى منها للعالمين ، وبقيت في أول الأول في مشادة أنوار