روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
196
عرائس البيان في حقائق القرآن
محل تمكينه في نيابة الحق في ملكه ، وأعلمنا أن من لا يكون بوصف سليمان لم يجز له أن يدخل في سعة الدنيا وذكر المنة ، وجوزه أن يمنّ على عباده بنعمة الدنيا ؛ إذ كان منته منة الحق صافيا عن حظ نفسه ، لكن ما أمره بمنة المعرفة على عباده ، فليس في معرفة اللّه لأحد على أحد ؛ فإنها فضل منه على عباده بغير واسطة . قال ابن عطاء : امنن على من أردت بعطائنا ، وإنا لا نمنّ عليك بذلك ، ولا نمنّ عليك إلا بالمعرفة والهداية ، قال اللّه تعالى : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 40 إلى 43 ] وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 ) وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) قوله تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ : ذكر اللّه سبحانه رتبته ومحله في تمكينه ، أعطاه ملك الدنيا مع ملك الآخرة من المعرفة والمحبة والنبوة بألا مضرة فيه عليه ولا في مقاماته وأحواله الشريفة ، بل كان له مزيدا في حاله ورفعة ، وشرفا في معرفته ، وأخبر من حسن مآبه بأنه تعالى ستره بأنوار قربه حين آواه من قهره بلطفه ورجوعه إلى الحق بحسن التضرع والبكاء والخشوع والحياء في كل لحظة ولمحة . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 44 إلى 45 ] وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) قوله تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً : افهم يا حبيبي أنه تعالى بوجود جلال قدمه أبلى أهل محبته ، ولا يوازي بلاؤه صبر أهل الحدثان ، بل كان خارجا عن صبر المخلوق والتصبر المكتسب ، ورجع إلى الحق بلا صبر نفسه ، وانخلع من حوله وقوته ، وسأل أن يعطيه اللّه صبرا يحتمل به بلاء القديم ، فلما رآه الحق خارجا من صبره ألبسه من صبره القديم كسوة ، فاحتمل به بلاءه ، فأثنى عليه الحق بعد اتصافه به وانخلاعه من دعوى الأنائية بعد الاتحاد به الذي لو ألقى ذرة على جميع قلوب العارفين يدّعون دعوى الأنانية ، فلما لم يؤثر فيه سكر الاتحاد والاتصاف وبقي متمكنا في العبودية واستلذ بحلاوة مشاهدته من قهره كما استلذ بمشاهدته من لطفه ، فقال : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) أي : راجع من دعوى الأنانية إليّ بنعت العبودية ، ومن لم يحمل بلاءه إلا به كيف يحتمل بلاءه بنفسه . قال ابن عطاء : واقفا معنا بحسن الأدب لا يؤثر عليه دوام النعم ، ولا يزعجه تواتر البلاء والمحن ؛ لمشاهدته المنعم والمبلي ، ونعم العبد عبد لا يشغله ما لنا عنا .