روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

193

عرائس البيان في حقائق القرآن

قال ابن عطاء : مُبارَكٌ على من سمعه منك ، فيفهم المراد منه وفيه ، ويحفظ آدابه وشرائعه ، وفيه موعظة لأولي العقول السليمة الراجعة إلى اللّه في المشكلات . قال بعضهم : من أصابته بركة القرآن رزق التدبر في آياته ، ومن رزق التدبر في آياته لم يحرم التذكر والاتعاظ به . قال اللّه تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ . قال بعضهم : مُبارَكٌ عليك بإنزاله عليك ، فإنك المخاطب به ، وأنت المبين له ، مُبارَكٌ على من يسمعه ، ويتبع أوامره ، و مُبارَكٌ على من يتذكر فيه الأوامر والنواهي والمواعظ ، فيتعظ بما يعظ به الكتاب ، علما بأنه من عند سيده فيفتخر بأنه خاطبه بما خاطبه . قوله تعالى : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ : ذكر منته على عشقه داود بعد جريان حكم القدر في أمر الامتحان الذي أخرج من نفس العشق والمحبة العبد المحمود بثناء الحق عليه بقوله : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) ، وذلك أنه لما خلعه الحق كسوة الربوبية نظر إلى تلك الكسوة ولم ير منها لنفسه شيئا علم أنها هي الحق ظهر منه للعالمين ، فأحالها إليه بنعت رجوعه إليه فزعا خاشعا صابرا شاكرا مقرّا بالعبودية ، هذا وصف من ألبسه الحق لباس القدم ، فرجع منه إليه بنعت التضرع والفزع ؛ حيث قال : « أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك » « 1 » ، فرّ منه إليه بعد ذوق مباشرة الصفة قال : « أنا العبد لا إله إلا اللّه » « 2 » ؛ لأنه كان عالما بخفيات مكر الأزل ، ليس كمن سكر واغترّ بسكره فقال أنا الحق ؛ فإنه من أوائل قطرات جرعة أقداح أفراحه التي امتلأت من أشربة بحار الآزال والآباد ، فوصف اللّه سليمان بهذا الوصف ؛ لعلمه بمكره القديم . قال بعضهم : العبودية هي الذبول عند موارد الربوبية ، والخمود تحت صفات الألوهية . وقال الأستاذ : كان أوّابا إلى اللّه ، رجّاعا في جميع الأحوال في النعمة بالشكر ، وفي المحنة بالصبر . [ سورة ص ( 38 ) : آية 33 ] رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 ) قوله تعالى : رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ : هذا من جملة امتحان

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) ، والترمذي ( 5 / 524 ) . ( 2 ) ذكره المصنف في مشرب الأرواح .