روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
191
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال أبو عثمان : أيقن داود بأوائل البلاء فالتجأ إلى التضرع . قال أبو سعيد الخراز : زلات الأنبياء في الظاهر زلات وفي الحقيقة كرامات وزلفى ، ألا ترى إلى قصة داود حين أحس بأوائل أمره كيف استغفر وتضرع ؟ ! فأخبر اللّه عنه بما ناله في حال ظنه من الزلفى . وقال : ظن داود أنما فتناه فتضرع ورجع ، فكان له بذلك عندنا لزلفى وحسن مآب . صدق الشيخ أبو سعيد الخراز فيما قال أن بلاء الأنبياء والأولياء لا ينقص اصطفائيتهم بل يزيد شرفهم على شرفهم بقوله سبحانه : فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ، زلته كانت التفاته من الذات إلى الصفة ومن الصفة إلى الفعل ، فإذا رجع إلى أوائل الحقائق في التوحيد وإفراد القدم عن الحدوث ستر مقام البلاء عنه بعد ذلك ، حتى لم يطق الرجوع من النهاية إلى البداية ، ومعنى قوله : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ، زاد زلفته حيث أوقعه في بحار الديمومية والأزلية والأبدية ، وفي كل لمحة كان له استغراق ، وحسن المآب له بأن آواه الحق إليه منه ، ووقاه من قهره ، حتى كان لا يجري عليه بعد ذلك أحكام الامتحان . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 26 إلى 27 ] يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 ) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) قوله تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً : لما خرج من امتحان الحق وبلاياه كساه خلعة الربوبية وألبسه لباس العزة والسلطنة ، كآدم خرج من البلاء وحبس في الأرض على بساط ملك الخلافة ، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن مصورين ، بصورة الروح الأعظم ، فإذا تمكن داود في العشق والمحبة والنبوة والرسالة والتخلق صار أمره أمر الحق ونهيه نهي الحق ، بل هو الحق ، ظهر من لباس الملك والملكوت ، كقول سيد البشر صلوات اللّه وسلامه عليه حيث قال : « جاء اللّه من سيناء وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران » « 1 » ، ثم لما وضع الحق معجون سر قهر الأزل في الطبع الإنساني وهو محل الاستدراج الذي يجري عليه أحكام مكر القدم دقق عليه الأمر ، وحذّره أن يرى نفسه في البين في إجراء الحكم بين الخليقة ،
--> ( 1 ) ذكره القرطبي في التفسير ( 13 / 159 ) ، وياقوت الحموي في معجم البلدان ( 4 / 225 ) .