روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
17
عرائس البيان في حقائق القرآن
السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) [ الانشقاق : 1 ] إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) [ الانفطار : 1 ] ، هذه كلها أقسام الكون ، وما من العدم لهم صار إلى العدم القائم عنهم غيرهم ، والكائن عنهم سواهم جلت الأحدية ، وعزت الصمدية ، وتقدست الديمومية ، وتنزهت الألوهية . ثم بيّن سبحانه أن ذلك المصباح والمشكاة في بيت صورة العبد العارف ، وذلك البيت صدره يتنور بنور اللّه ، ونور قربه ليبصر سواكنه بنوره ما ينفتح فيه من أنوار ملكوته وجبروته بقوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أن يرفع همها إلى مشاهدة الذات ، وصرف الصفات ، ولا ينزل على غيره من الآيات والكرامات والعقل ، يذكر اسم اللّه هناك ، والقلب يذكر وصفه ، والروح يذكر ذاته وصفاته تعالى ، وأيضا ترفع الأسرار بنعت الاشتياق حوائج الوصال إليه بنعت المداناة والمناجاة . وقال بعضهم : ترفع الحوائج من القلوب ، وتشغل القلوب بالذكر ؛ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول حاكيّا عن ربه : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » « 1 » . ويقال : « القلوب بيوت المعرفة ، والأرواح مشاهد المحبة ، والأسرار محال المشاهدة » . ثم وصف سبحانه أهل خالصة تلك البيوت بشهود الحضرة والمراقبة في القربة بنعت التجريد عن غير المشاهدة بقوله : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وصف اللّه العارفين بالرجولية حين أقبلوا عليه بأسرار طاهرة عن الحدثان ، وبسرهم في صحاري الآزال والآباد بالأرواح القدسية والعقول الملكوتية بين سباع القهر وحيات الامتحان ، وآساد الغيرة لا تشغلهم المستحسنات والمستقبحات عن بلوغهم إلى معالي الدرجات في رؤية الذات والصفات ، ومثالهم كالبحار لا تتغير بالجيف كذلك أحوالهم تجري عليهم أحكام الكونين بنعت المباشرة والمعاملة ، ولا تتغير أسرارهم عن شهود الوصال والنظر إلى الجمال . قال ابن عطاء : هم خزائن الودائع ومواضع الأسرار . قال النصرآبادي : أسقط عنهم المكون ذكر المكونات ، فلا تشغلهم الأسباب عن المسبب بحال . قال جعفر : هم الرجال من بين الرجال على الحقيقة ؛ لأن اللّه حفظ سرائرهم عن الرجوع إلى ما سواه ، وملاحظة غيره فلا تشغلهم تجارات الدنيا ونعمتها وزهراتها والآخرة ،
--> ( 1 ) رواه البيهقي في « شعب الإيمان » ( 2 / 139 ) ، وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 7 / 40 ) ، وأبو نعيم في « حلية الأولياء » ( 7 / 313 ) .