روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
167
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ : الإنذار لا يؤثر إلا في أصحاب الذكر ؛ لأنهم في مشاهدة عظمة المذكور يفزعون منه بأقدار ما شاهدوه من العظمة والكبرياء ، فبركة موعظة الصادق تزيد لهم تعظيم اللّه وإجلاله ، وتابع الذكر تابع السنة ، ثم تابع الحال والوقت والوجد حتى فني هو في ذكره ، وفني ذكره في رؤية مذكوره ؛ لأنه شاهد العظمة بنعت الفناء في الحضرة حين غاب عن الخلق بقوله : وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ علم الرحمن في غيب الرحمن ، فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) لما جرى عليه من وقفة الحال وكشف المشاهدة الكريمة الأزلية الأبدية . قال الحسين : أشرف منازل الذاكرين من نسي ذكره في مشاهدة المذكور ، وحفظ أوقاته من الرجوع إلى الرؤية والذكر . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 22 إلى 25 ] وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ( 23 ) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ( 25 ) قوله تعالى : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ : العبودية ممزوجة بالفطرة ، والمعرفة فوق الخليقة والفطرة ، وهذا المعنى مستفاد من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « كلّ مولود يولد على الفطرة » « 1 » ، ولو كانت المعرفة ممزوجة بالفطرة لما قال : « فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصّرانه » « 2 » ، بل المعرفة تعلق بكشف جماله وجلاله صرفا بالبديهة بغير علة ولا اكتساب بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 465 ) ، ومسلم ( 4 / 2047 ) . ( 2 ) تقدم في سابقه .