روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
151
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ : وصف نفسه بالإحاطة على كل ذرة من العرش إلى الثرى كيف يعزب عن علمه شيء من علمه وإرادته وقدرته ، بدأ ذلك الشيء وبه قيامه ووجوده . قال الواسطي في هذه الآية : كيف يخفى عليه ما هو أنشأها ، أو كيف يستعظم شيئا هو أبداها . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 13 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) قوله تعالى : * وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا : علما بجلاله وجماله ومحبته للقائه ، وشوقا إلى وصاله وحكمه بأمور العبودية ، وعلما بأنوار الربوبية ، وكشفا من أسراره له ، وإلباسه إياه وصف جلاله حتى يطيب قلبه بالعشق ، وروحه بالمحبة ، وعقله بالبصيرة وسره بالأنس ، وصدره باليقين ، وحلقه بالصوت الحسن ، فهذه بركة أوصاف الأزل التي ألبسها اللّه إياه بنعت التجلي والتدلي ، ألا ترى إلى قوله : مِنَّا فَضْلًا ، وذلك الفضل اتصافه بأنوار الذات والصفات ؛ لذلك أجابته الجبال بالتسبيح والتهليل بقوله : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ « 1 » ، وكذلك الطير بقوله : وَالطَّيْرَ ، إذا زمزم من طيب عشقه قام العالم معه .
--> ( 1 ) قوله : « أوّبي » العامة على فتح الهمزة ، وتشديد الواو ، أمرا من التّأويب وهو التّرجيع ، وقيل : التسبيح بلغة الحبشة ، وقال القتيبيّ : أصله من التأويل في السير وهو أن يسير النهار كله ، وينزل ليلا كأنه قال : أدأبي النّهار كلّه بالتسبيح معه ، وقال وهب : نوحي معه ، وقيل : سيري معه ، وقيل : سيري معه ، والتضعيف يحتمل أن يكون للتكثير ، واختار أبو حيان أن يكون للتعدي قال : لأنهم فسّروه برجع مع التسبيح ، ولا دليل فيه لأنه دليل معنى . وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق : أوبي بضم الهمزة أمرا من آب يؤوب أي ارجع معه بالتسبيح .