روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

129

عرائس البيان في حقائق القرآن

وهو روح مكنه من صحبته وآثر قربه . وقال أيضا : الجسم يستحسن المستحسنات ، والروح واحدية فردانية ، لا يستحسن شيئا لسقطه أبدا . وقال ابن عطاء في قوله : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ : قوّمه بفنون الآداب ، ونفخ فيه الروح الخاص الذي فضّله على سائر الأرواح لما كان له عنده من محل التمكين ، وما كان فيه من تدبير الخلافة ومشافهة الخطاب « 1 » . قال الأستاذ : أحسن صورة كل أحد ، فالعرش ياقوتة حمراء ، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، وجبريل طاوس الملائكة ، والحور العين كما في الخبر من جمالها وشكلها ، والجنان كما في الأخبار ونص القرآن ، فإذا انتهى إلى الإنسان قال : خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ، ولكن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ التوبة : 119 ] ، و خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ، ولكن قال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها : قطع مشيئة الخلائق عن مشيئة الأزل ، ولو أراد أن يكون كلهم عارفين به يكون ؛ ولكن وقع خاصية الأنبياء والأولياء بنعت الاصطفائية من إرادته ، ووقع الأضداد من إرادته سابق لطفه لأهل لطفه ، وسابق قهره لأهل قهره . قال ابن عطاء : لو شئنا لوفقنا كل عبد لطلب من مرضاتنا ، ولكن حق القول بالوعد والوعيد ليتم الاختيار . وقوله تعالى : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * ( 13 ) : إن جهنم فم قهره انفتح ليأخذ نصيبه ممن له استعداد مباشرة القهر ، كما أن الجنة فم لطفه ، انفتح ليأخذ من له استعداد مباشرة لطفه ، فاللطيف يرجع إلى اللطيف ، والكثيف يرجع إلى الكثيف ، لذلك مضى القسم في الأزل في الوعيد ؛ لأن الحدث لا ينفك عن حظ القدم فالعارف الصادق إذا

--> ( 1 ) أضافه إلى نفسه ، تشريفا ، إشارة إلى أنه خلق عجيب ، وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية ، ولذلك قيل : من عرف نفسه عرف ربه . وقد تقدم في سورة الإسراء ، في الكلام على الروح ، وجه المعرفة منه . البحر المديد ( 5 / 51 ) .