روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

12

عرائس البيان في حقائق القرآن

والأرض ، ومن نوره الأرواح والأشباح ، ومن نوره العقل والقلوب ، ومن نوره تنورت هذه النيرات ، وأضاءت هذه الآيات نور قدرته زينها بالتركيب ، ونور علمه نوّرها بالانتظام ، ونور سمعه نوّرها بالقيام ، ونور بصره زينها بأنوار العجائب ، ونور إرادته زينها بالارتسام والبقاء ، ونور كلامه زينها بالنماء والبركات ، ونور حياته زينها بالحياة ، ونور قدمه زينها بغرائب الألطاف ، ونور بقائه زينها بالأرواح الفعلية والقدسية الفطرية ، ونور ذاته زينها بالوجود سبحانه المنزه بجلاله أوجد الكون بنور القدم وأنوره عن ظلمة العدم . مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ صدر العارف كوة فعله ومشكاة أمره ، وروح العارف قنديل قدرته ، وفتيلة قنديله عقله الغريزي ، وفطرته الفعلي ، واستعداده الروحاني ، ودهنه المعرفة ، وقلبه زجاجة المشيئة ، ومصباحه أنوار الصفة القديمة المنزهة عن مباشرة الأكوان والحدثان والحلول في الزمان والمكان ، أسرج بمصباح صفاته قنديل الروح وفتيلة العقل ، وزاد نور المصباح من نور الذات ؛ إذ الذات والصفات مكشوفان لها في جميع الأوقات بنعت السرمدية ، ولو امتنع أنوارها عنها انطفأ مصباحها ، ولم يكن ناظرة إلى الغيب ، وأمد المصباح بدهن معرفته ذلك ، وتلك الشجرة المباركة منابتها العقل الملكوتي ، وصباغها الحكمة الجبروتية ، وهي في جميع الأنفاس على مقابلة شمس الألوهية لا يقع عليها ظلال غدوة شرق القدم ، ولا ظلال عشية غرب الفناء في أرض مشرق المشاهدة منورة بجمال شمس القدم والبقاء ؛ لذلك نفى علة الحجاب بالحدثان بقوله : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، وتلك المعرفة التي هي الشجرة المباركة يكاد دهن نورها يضيء بنور الفعل . قيل : إن يصل إليها نور الصفة ، قال تعالى : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، فلما وصل نور الصفة إلى نور المعرفة والعقل الملكوتي ، ونور الفعل يضيء بنور اللّه ، وببصر اللّه باللّه لا بغير اللّه ؛ قال اللّه تعالى : نُورٌ عَلى نُورٍ مثل نور صفاته بالمصباح ، وشبّه الروح بالقنديل ، وشبّه القلب بالمشكاة ؛ لأن الروح في القلب والنور في الروح ، والمعرفة دهن قنديل الروح ، وتلك الكوة هي القلب ، والقلب في الصدر لا منفذ إليها لرياح القهر والشقاوة ، إذ القلب في أصبع الصفة يقلبها كيف يشاء ، والروح في يمين القدرة . قال عليه السّلام : « القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبهما كيف يشاء » « 1 » . وقال : « الأرواح في يمين الرحمن » « 2 » ؛ فكيف ينطفئ هذا المصباح الذي نوره من نور

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2654 ) ، وابن حبان ( 3 / 184 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 1 / 706 ) . ( 2 ) ذكره المصنف في مشرب الأرواح له ( ص 14 ) .