روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

117

عرائس البيان في حقائق القرآن

أنوار الصفات والذات بإرادته ومحبته ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ : تبتغوا من وجوده ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 ) : ظهور الربوبية في العبودية ، قيل رياح القدس تبشّر بمنازل الأنس . وقال النصرآبادي : هو أن يظهر عليك أوائل الاسترواح إلى ذكره ، فيكون ذلك إشارة بالوصول إلى المذكور . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 50 إلى 53 ] فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 ) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 ) قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها « 1 » إن اللّه سبحانه يزين الأرض بأنوار فعله ، فينبت الحضر بورد الورد ، ويضيء الزهر والنبات ، ويتجلى من أنوار صفته فيها لا عين العارفين الذين شاهدوا اللّه بنعت الحسن ، ووصفهم الأنس بالورد والريحان والسماع ووجوه الحسان ، ألا ترى إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كيف أشار بقوله « النظر إلى الوجه الحسن يزيد في البصر » « 2 » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « النظر إلى الخضرة والماء الجاري يزيد في البصر » « 3 » . قيل : أي يحيي الأنفس الميتة بالشهوات ، والقلوب الميتة بالغفلات بأنوار معرفته وآثار هدايته . قال الأستاذ : يحيي الأرواح بعد حجبتها بأنوار المشاهدات ، فتطلع شموسها من برج

--> ( 1 ) اعلم أن وجه الإنسان عند مسّ الهمّ ، ووقت الغمّ ؛ كوجه الأرض في الشتاء حيث إن كلّا منهم يتغيّر عن حاله ؛ وهو موته ، ثم يحييه اللّه برحمته التي هي المطر بالنسبة إلى الأرض ، والسرور بالنسبة إلى القلب ، وأثر تلك الرحمة ؛ الخضرة في وجه الأرض ، والانبساط في البشرة ، فقد أشارت الآية بأن ذلك الموت ليس بمستمر ؛ بل يتعقّبه الحياة على ما يقتضيه الأسماء الإلهية الحاكمة على هذا العالم ، المدبّرة في الأنفس ، والآفاق المؤثّرة في الظاهر والباطن ، ولمّا كان ذلك موقوفا على النظر الصحيح ؛ قال : فانظروا ، ونظير ذلك الليل والنهار والنوم واليقظة ، والسحابة على وجه الشمس ، والانكساف والكدورة للماء وصفوته ، ثم الموت والحياة المذكوران ، وإن كانا مجازيين عند أرباب الظاهر ؛ لكنهما حقيقتان عند أهل الباطن ، فإن للأرض روحا نباتيا ، كما أن للإنسان روحا حيوانيا بل للإنسان روح نباتي أيضا به يشتهي الأكل والشرب ، وبه تربيته في بدنه لا بالروح الحيواني ، وإن كان الروح الحيواني مبدأ الحسّ الحركة . ( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 387 ) . ( 3 ) رواه الشهاب في مسنده ( 1 / 193 ) .