روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
85
عرائس البيان في حقائق القرآن
رأوا من أنوار الغيوب ، صرح الحق سبحانه أنهم مسلوبون في الأزل أسماع خصوصية العقول القدسية الملكوتية ، وأبصار الأرواح الجبروتية لا جرم لم يكن لهم استعداد قبول الحقائق وعلم الدقائق ، وقد تبين أن المعرفة بحقائق العلوم اللدنية والنظر إلى عالم الملكوت لم يكن مكتسبا ، بل هما موهبتان خاصتان من مواهب اللّه الخاصة الأزلية ، خصّ بهما في سابق علمه وأوائل حكمه أهل خالصة وده بغير اعتدال اكتسابهم ، ولو كان مكتسبا لكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قادرا على أن يسمعهم ويبصرهم ، بل فضل اللّه يؤتيه من يشاء من خواص عباده خالصة عرفانه ، والحمد للّه الذي خصّ نجباءه بسمع الخاصة من أسماء صفاته ، والحمد للّه الذي اصطفى أولياءه البصر الخاص من أبصار صفاته ، ولم يبق بين ذلك السمع والإسماع والخطاب حجاب ، ولم يبق بين ذلك البصر والإبصار ورؤية جماله نقاب . قال الحسين : من استمع إليك بإيّاه فإنك لا تسمعه ، إنما تسمع من أسمعناه في الأزل فيسمع منك ، وأما من لم تسمعه فما إلا صم ، والسماع وإن سمع لم يعقل فكأنه لم يسمع . قال اللّه تعالى : إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا : إلا من أجرينا عليه حكم السعادة في الأزل . قال بعضهم : إذا أنت لم تسمع نداء اللّه ، فكيف تجب داعي اللّه ؟ ! قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 ) . وقال الواسطي : ليس من ينظر إليك بنفسه يراك ، إنما يراك من ينظر إليك بنا ، فأما من ينظر إليك بنفسه أو به فإنه لا يراك ، ولا يراك إلا من يعمر أوقاته في رؤيتك ، ويستغرق هو فيها ، قال اللّه : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني » « 1 » . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 44 إلى 47 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 46 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 47 )
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 4 / 96 ) .