روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

80

عرائس البيان في حقائق القرآن

القهر ، ولا يهتدي من كان مرهونا بالأشياء عن خالق الأشياء ، وهذا معنى قوله : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ . ثم بيّن أن البعد لا يقتضي إلا البعد ، وليس للعبد حدّ ، فأين يذهب البعيد في البعد ، ولا يجد في البعد إليه سبيلا . قال تعالى : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ : أي : إلى من ترجعون إذا فات وصاله عنكم . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 31 إلى 33 ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) [ تفسير الآية 31 ] وليس للحدثان مصرف الفرار ، فأنى أين وإنهم ؟ ! إن هذه الآية إشارة سابق قوله : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ : أي : من يرزق الأرواح من الملكوت غذاء قربه ووصاله ، ومن يرزق القلوب من ملكوت الأرض صفاء عبوديته ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ : من يملك إسماع العارفين بلذيذ جلاله ، ومن يملك أبصار الصديقين بكشف جماله والنظر إلى جلاله ؟ ومن يخرج الحي من الميت ؟ أي : من يخرج الأرواح العارفة الأحياء بحياته ومعرفة ذاته وصفاته من العدم بنور القدم ، ويخرج الميت من الحي ، من يخرج الأنفاس الفانية في عظمته الباقية من القلوب الحاضرة في مشاهد القربة ، ومن يدبر الأمر ، من يسهل قطع صفات مفاوز النكرات للعارفين ، ومن يعرف أمور العبودية والربوبية قلوب الموحدين ؟ ! ثمّ بيّن أن من شاهد هذه المراتب يعترف بها صدقا وعدلا بقوله : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ، فإذا اعترفوا بذلك ، وصاروا شاهدين معاني شهوده لا خوّفهم من نفسه إلا أن يلتفتوا إلى سواه في طريق بقوله : فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ أي : فلا تخافوا من فراقه ، فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ : أي : هو منعم هذه النعماء ، يربيكم بهذه السعادات لا غير ، فأين تصرفون منه إلى غيره ؟ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ : أخصّ الإشارة فيه أي : إذا وقعتهم في أنوار معرفتي بعد كشوف صفاتي وذاتي لا تطلبوا كنه القدم ؛ فإنه معادن الملكوت ونكراتها بلا نهاية ؛ لأن القدم ممتنع عن إحاطة القلوب به ، وعن إدراك الأرواح والبصائر حقائقه