روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
8
عرائس البيان في حقائق القرآن
له سبحانه على الخصوص ، فتولّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة ، فقال : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 25 إلى 30 ] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 ) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) [ تفسير الآية 25 ] قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً : أخبر سبحانه أن الأولياء والأصفياء لا تخلو قلوبهم من قوارع خطرات الامتحانية ، مع شرفهم بالولاية ، واصطفائيتهم بالكرامة ؛ ليعلم الحقّ أن ولايتهم غير مكتسبة بالأعمال ، وهذا تعريفه تعالى مواضع نعمه لهم ، واختياره لهم المنازل الرفيعة في الأزل ، ومعنى الآية أي : حيث تبرأتم من حولكم وقوّتكم ، وافتقرتم إليّ ، وفررتم مني إليّ ، ونصرتكم على عدوّكم بحولي وقوّتي حين شاهدتم عزّة أزليتي ، وجلال أبديتي ، وحين نظرتم إلى حولكم وقوتكم ، واحتجبتم بها عن مشاهدة قدرتي تركتكم مع أنفسكم . قال جعفر : استجلاب النصر في شيء واحد ، وهو الذلّ والافتقار والعجز ، لقوله : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ : لم تقوموا فيها بأنفسكم ، ولم تشهدوا قوّتكم وكثرتكم ، وعلمتم أن النصر لا يوجد بالقوة ، وأن اللّه هو الناصر المعين ، ومتى علم العبد حقيقة ضعفه نصره اللّه ، وحلول الخذلان بشيء واحد ، وهو العجب . قال اللّه تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، فلما عاينوا القدر من أنفسهم دون اللّه ، رماهم اللّه بالهزيمة ، وضيّق الأرض عليهم .