روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

66

عرائس البيان في حقائق القرآن

ثم يفنيهم بقهر سلطان غيرته ، ومرجعهم إلى معدن الأول ، ثم يعيدهم رحمة وشفقة ليجازي العارفين بكشف جماله بقوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ : أي : يجزي الذين شاهدوا بقلوبهم مشاهد الملكوت بكشف جمال الجبروت ، ويجازي الذين أصلحوا سرائرهم لنزول أنواره يجازيهم بمداناة وصاله . يا أخي من رجع من سفر البعاد إلى قرب محبوبه يفرح المحبوب بمقدمه ، ويعطي نفسه لمريده وزائره ؛ فإنه سبحانه يكشف نقاب الغيرة عن جمال مشاهدته لكل أواب إليه . أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا * أيا ذاك لا أنساك ما هبّت الصّبا قال الجنيد : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً : منه الابتداء وإليه الانتهاء ، وما بين ذلك مراتع فضله وتواتر نعمه ، فمن سبق له في الابتداء سعادة أظهر عليه في مراتعه وثقلته في نعمه بإظهار لسان الشكر وحال الرضا ومشاهدة المنعم ، ومن لم يجر له سعادة الابتداء أبطل أيامه في سياسة نفسه ، وجمع الحطام الفانية ليرده إلى ما سبق له في الابتداء من الشقاوة . قال اللّه : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً : فالراجع بالحقيقة إليه هو الراجع مما سواه إليه ، فيكون متحققا في الرجوع إليه . قال الأستاذ : الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح كان لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند محبيه وذويه . ويقال : المطيع إذا رجع إلى ربه فله الحسنى والثواب والزلفى ، والعاصي إذا رجع إلى ربه بنعت الإخلاص وخسران الطريق فيلقى لباس الغفران ، وحلة الصفح والأمان ورحمة مولاه خير له من نسكه وتقواه . قال تعالى : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا : فموعود المطيع الفراديس الأعلى ، وموعود العاصي الرحمة والرضا والجنة لطف الحق ، والرحمة وصف الحق ، فاللطف فعل لم يكن ثم حصل ، والوصل نعت لم يزل . وقال الأستاذ في قوله : إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ : من كان له في جميع عمره نفس على وصف ما ابتدأ الحق به ففي الإشارة يكون له إعادة . ولقد أنشد قائلهم : كلّ نهر فيه ماء قد جرى * فإليه الماء يوما سيعود ثم وصف اللّه تعالى نفسه بالقدرة الكاملة والإرادة القائمة بتنوير العالم بنوره .