روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

55

عرائس البيان في حقائق القرآن

[ تفسير الآية 117 ] قوله تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ « 1 » التوبة توبتان : توبة العبد : وهي الرجوع من الزلّات إلى الطاعات . وتوبة اللّه : رجوعه إلى اللّه بنعت الوصال ، وفتح باب الماب ، وكشف النقاب عن الاحتجاب ، وطلب العتاب : إذا مرضتم أتيناكم نعودكم * وتدينون فنأتيكم فنعذر انظر لطف اللّه بنبيّه وأصحابه ، كيف تاب لأجلهم مكان توبتهم ، رجع إليهم قبل رجوعهم إليه ؛ ليسهّل عليهم طريق الرجوع إليه ، فرجوعه إلى نبيّه بكشف المشاهدة ، ورجوعه إليهم بكشف القربة ، فتوبة النبيّ عليه السلام من غيبته عن المشاهدة باشتغاله بأداء الرسالة ، وتوبة القوم من غيبتهم عن ملاحظة الحضرة ، فلمّا ذاقوا طعم الجنايات ، واحتجبوا عن المشاهدات ، أدركهم فيض الوصال ، وانكشف لهم أنوار الجمال ، وهكذا سنّة اللّه مع الأنبياء والأولياء إذا دانوا في مقام الامتحان ، وبقوا في الحجاب عن مشاهدة الرحمن ، يمطر عليهم وابل سحاب الكرم ، ويلمع لأبصار أسرارهم نور شرق القدم ، فيؤنسهم بعد إياسهم ، ويوصلهم بعد قنوطهم . قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [ الشورى : 28 ] ، وقال : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [ يوسف : 110 ] ، وأنشد في معناه : كنّا كمن ألبس أكفانه * وقرب النعش من الملحد فحال ماء الروح في جسمه * فردّه أمل إلى المولد تبارك اللّه سبحانه * ما كلّ هو بالسرمد قال بعضهم : توبة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، هي مقدمة توبة الأمة ؛ لتصح بالمقدمة التوابع من توبة التائبين . وقال بعضهم : توبة الأنبياء لمشاهدة الخلق في وقت الإبلاغ ، إذ الأنبياء لا يغيبون عن الحضرة ، بل لا يحضرون في مواضع الغيبة ؛ لأنهم في عين الجمع أبدا ، [ تفسير الآية 118 ] ثمّ خصّ الثلاثة الذين غرقوا في بحار الامتحان ، برجوعه عليهم بقبول توبتهم ، بقوله :

--> ( 1 ) أي نبي الروح بمنزلة النبي يأخذ بإلهام الحق حقائق الدين ويبلغها إلى أمته من القلب والنفس والجوارح والأعضاء . فالمعنى : أفاض اللّه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة الروحانية إلى المدينة الجسدانية والأنصار من القلب والنفس وصفاتها وهم ساكنوا مدينة الجسد فيوضات الرحمة . تفسير حقي ( 5 / 187 ) .