روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

49

عرائس البيان في حقائق القرآن

المعرفة محمّد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » . فالعابدون : هم القائمون باللّه في اللّه عن غير اللّه ، فإذا تمّت هذه النعم لهذا العابد يقتضي حاله حمد المنعم القديم بإحسانه السابق للعابد في الأزل بإنعامه ، فيحمده بوصل الخجل ، وخرس ألسنة أسراره عن البلوغ إلى ثنائه ، فيحمده بلسان حمده بنعت نسيان غيره في حمده ، فيحمد منعمه بنعمة تعريف نفسه له ، فيستعف لسان الحمد من صفته ، فيصفه بصفته لا بوصفه ؛ لأن الحادث كيف يطيق أن يحمد القديم ؟ ألا ترى كيف رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم نفسه عن حمده في رؤية جلاله مقصّرة عن البلوغ إلى حقيقة حمده وثنائه ، بقوله : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 2 » . فالحامدون : الذاكرون اللّه لجميع الوجود ظاهرا وباطنا ، سرّا وعلانية ، حتى لا تخلو شعرة منهم إلا ولها لسان من اللّه بحمد اللّه به في جميع الأنفاس ، المستغرقون في بحار امتنان مشاهدته . ثم يقتضي حمده للحامد حبس النفس عن مألوفاتها حين عاين هلال جماله في سماء الإيقان ، ألا ترى كيف قال صلى اللّه عليه وسلم : « صوموا لرؤيته » ، ولا يكون فطوره إلا حلاوة مشاهدته ؛ لقوله عليه السلام : « وأفطروا لرؤيته » « 3 » . فالسائحون : السيّارون بقلوبهم في الملكوت ، الطائرون بأجنحة المحبّة في هواء الجبروت ، ثم السباحة في أقطار الغيب ، يقتضي المشايخ الخضوع بنعت الفناء عند مشاهدة العظمة والكبرياء في مراكع الكشوف ، فيركع بنعت السكر لجبروته في كلّ موطن من العالم شوقا إلى جود جماله ، وحسن وصاله . فالراكعون : العاشقون المنحنيون من ثقل أوقار المعرفة على باب العظمة من رؤية الهيبة ، ثمّ يقتضي ركوع هذا الراكع شهود أسراره في منازل الأنوار ؛ لطلب جمال الملك الغفّار جلّ جلاله وعزّ كبريائه ، فيسجد عند كلّ كشف في كلّ موضع وحش ، حتى يصير مدهوشا في دهشة بديهة كشف جماله من كلّ قبلة في العالم ، فيسجد لجميع الجهات لغيبه في معاينات الصفات . وهكذا كان هشام بن عبدان الشيرازيّ - رحمة اللّه عليه - في سكره ، ومات بهذه الصفة بارك اللّه في حياته ومماته ، وجعلنا مثله في عرصات المقبولين بسيف محبّته ، وكشف مشاهدته

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) رواه البخاري ( 2 / 674 ) ، ومسلم ( 2 / 759 ) .