روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
47
عرائس البيان في حقائق القرآن
المبايعة ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 1 » فقال : النفس محلّ الغيب ، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره ، وما سنح لي بعد قولهم ، وما ذكرت في مقدم قولهم : أنه تعالى ألبس النفوس حين أوجدها لباس قهر الربوبيّة ، فأسخطت من مباشرته وصف الكبرياء ، فلما اتّصف بقهره تعالى نازعته ، فعلم الحقّ تعالى لو تركها مع المؤمنين أغوتهم ، كما أغوت فرعون ، بقوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ، وكما قال إبليس : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ الأعراف : 12 ] ، فهلكها بقهره ؛ حتى لا يبقى في المؤمن غير العبودية . ثمّ أن اللّه سبحانه فرّح فؤاد العارفين بوفائه معهم ، وخطابه بأخباره عن صدقه بوفائه ؛ ليكونوا في بذل وجودهم وقتل نفوسهم ، والجهاد مع عدوّهم على حسن الظنّ في اللّه ، وحسن الرضا إلى وعد اللّه وفائه لعهده ، بقوله : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ أي : كلّ حادث ناقص في أمر المستقبل والقديم ، منزّه عن نقائص الحدثان ، فيفعل بموجب الأخبار على موافقة الحكم ، ويعطي للعبد ما وعد به وأكثر ، إظهارا لربوبيّته ، ومنّا على عباده . قال الحسين : عهد الحقّ في الأزل إلى خواصه باختصاص خاصية خصّهم من بين تكوينه ، فأظهر آثار أنوار ذلك عليهم عند استخراج الذرّ ، فرأى آدم عليه السلام الأنوار تتلألأ ، فقال : من هؤلاء ؟ ، ثم أظهر سمات ذلك حين أوجدهم ، وهي أثار ذلك العهد الذي عهد إليهم فوفّى لهم بعهودهم وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ . ثمّ إنّ اللّه سبحانه بشّر المؤمنين باشترائه نفوسهم منهم ، وبما يجازيهم بها من لطفه وكرمه وفضله ومشاهدته ، بقوله : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ، وأضاف اشتراء النفوس إلى نفسه ، اشتراها في الأزل ، وأضاف بيعها إلى المؤمنين ، وأين المؤمنون في الأزل ؟ وأقام نفسه مقام المؤمنين ؛ لإشارة مقام الاتّصاف والاتّحاد ، كما أشار إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بقوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأنفال : 17 ] ، والآية من قبيل عين الجمع بشّرهم نبيّهم ، والغرض من ذلك المشتري أي : بشّروا بمتابعتكم معي حيث اصطفيتكم بخطابي وشرائي ، الذي ينبّئكم عن كريم لطفي بكم ، بأنّي أعطيكم ما وعدتكم بلا
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .