روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
30
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ آل عمران : 119 ] ثم بيّن أن هذا الغيظ من تولد نسيانهم قهر اللّه في بطش جبروته ، وبروز عظائم أنوار ملكوته ، لم يكونوا من أهل الذكر ، فطرأ عليهم طرآن النسيان ، لم يذوقوا حقائق الذكر ، تركوا أمر اللّه لجهلهم بجلال اللّه ، فتركهم اللّه في ظلمات قهره يعمهون ، لا يرون سبيل الرشد أبدا ، وهكذا وصف من ادعى معرفة اللّه ، ولم يذق طعم محبة اللّه ، ولا يستقيم في دعواه ، ونفر من الطريق إلى جمع الدنيا من قلة صبرهم مع أولياء اللّه ، فيجمعون الدنيا ، ويحتجبون بها عن ذكر اللّه ، فتركهم اللّه في حبها وحب جاهها ، ولا ينفقون منها في طريق اللّه . قال اللّه : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ . قال بعضهم : يقبضون أيديهم عن رفعها إلى مولاها في الدعوة والحوائج ، كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه رأى كأنه في الموقف ، ويده على صدره كاستطعام المسكين . ها أنا مددت يديّ إليك * فردّها بالوصل لاستماتة الحساد وقيل : يقبضون أيديهم عن الصدقة . وقيل : يقبضون أيديهم عن معونة المسكين . وقال سهل : في قوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ : نسوا أنعم اللّه عندهم ، فأنساهم اللّه شكر النعم . وصف المؤمنين والمؤمنات بالموافقات في جميع الخيرات بقوله : [ تفسير الآية 71 ] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ؛ لأن أرواحهم كانت مستغرقة في أنوار القدم ، وهو تعالى ألّف هناك بين الأرواح ، بأنها من جواهر أنوار الملكوت ألفت بعضها بعضا بألف اللّه سبحانه في مشاهدة جماله ، حين إذا قربا طعم وصال ، فأحبّ المؤمنون بعضهم بعضا بمحبة اللّه في قلوبهم ، ويتعاونون بعضهم بعضا في عبادة اللّه ، ونصرة أنبياء اللّه وأوليائه . وقال أبو عثمان : المؤمنون أنصار يتعاونون على العبادة ، ويتبادرون إليها ، وكل واحد منهم يشد ظهر صاحب ، ويعينه على سبيل نجاته ، ألا ترى النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمنون كالجسد الواحد » « 2 » . قال اللّه : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ . وقال أبو بكر الورّاق : المؤمن تولى المؤمن طبعا وسجية . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 72 إلى 81 ] وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 74 ) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 ) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 )
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 182 ) ، ومسلم ( 4 / 1999 ) . ( 2 ) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ( ص 34 ) .