روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
22
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 47 ] لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) [ تفسير الآية 44 ] قوله تعالى : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ : وصف اللّه الولاية والنبوة أنهما شقيقان ، وما وقع الأمر من الغيب ، إلا والولي والنبي يقبلانه بالإيقان والعرفان ، وكيف يكون الولي مخالفا للنبي ، وهو مخاطب بسر الإلهام وبمتابعته . قال الواسطي : كيف يستأذن من هو مأذون له الإذن ، وإن قام بإذن ، وإن قعد قعد بإذن ، فجريان الحركات منه تظهر سوابق المأذون له فيه . [ تفسير الآية 46 ] قوله تعالى : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً : بيّن اللّه سبحانه أن إرادة العباد لا تقع إلا بإرادته ، حيث يقول : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ : نفى عنهم صدق الإرادة ، ولو كانوا صادقين في الإرادة ؛ لاستجابوا لبذل الوسع والطاقة ، ولكن سقمت إرادتهم ، فحصلت دون الخروج بإرادتهم ، كذلك لو صح منك الهوى أرشدت للحيل . قال جعفر : لو عرفوا اللّه ؛ لاستحوا منه ؛ ولخرجوا له عن أنفسهم وأزواجهم وأموالهم ؛ بذلا لأمر واحد من أوامره . وقال بعضهم : لو طلبوا التوكل ؛ لسلكوا سبيل الثقة باللّه ؛ فإنها الطريق إليه . قوله تعالى : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ : وصف أهل النفاق الذين لدغتهم أفاعي القرب بنعت عدم الترياق من مفرح الوفاق ، دعاهم بلسان الأمر إلى العبودية ، وأجرى شقاوتهم في سابق أحكامه الأزلية ، كانوا مخاطبين بالعبودية ، غير مكاشفين بجمال الربوبية ، امتحنهم بالأمر ، وردّهم عن ساحة الكبرياء بالحكم ، طالبهم بالأعمال ، ومنعهم عن الأحوال . قال جعفر : طالب عباده بالحق ، ولم يجعلهم لذلك أهلا ، ثم لم يعذرهم ولامهم على ذلك ألا تراه يقول : وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ « 1 » . قال ابن الفرحيّ : إنما هو نعت واحد ، كالماء الواحد يسقى به ألوان الشجر ، فيختلف ثمارها ، ولو سقي الورد بالبول ما وجد منه إلا ريح الورد ، ولو سقي الحنظل بماء الورد لما خرج إلا الحنظل وريحه ، إنما هي اللطيفة التي جرى بها الخذلان والتوفيق . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 48 إلى 53 ] لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 ) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ( 52 ) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ( 53 )
--> ( 1 ) قاله بعضهم لبعض ، أو قالوه للمؤمنين تثبيطا لهم . قال ابن جزي : قائل هذه المقالة رجل من بني سليم ، ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر . البحر المديد ( 2 / 431 ) .