روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

15

عرائس البيان في حقائق القرآن

وقوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ « 1 » وجعل بكرمه ورحمته منها شهور القربات ، وزيادة للمدانات ، ومناسكا للعبادات ، وشرّفها لكشف المشاهدات ، ومنعهم فيها عن التمتّع والتنعّم ، وأمرهم فيها بالتعطّف ، وأمهل فيها الخارجين من السنّة ؛ لتأهّبهم أهبّة الأولية والأبرار إلى جوار الرحمة ، وما سواهما من الأيّام والشهور ، رفاهية لأهل الأنس ، ومطايبة لأهل البسط ، وكذلك تلك الحرمات على أهل القربات ، وقال : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ إلى الطريق المستقيم إلى اللّه ، وشهادة وصال اللّه ، وكشف مشاهدة اللّه ، وحذّرهم فيها عن مخالفة اللّه ، بقوله : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ، بمنعها عن المجاهدات ، وطلب المشاهدات ، وإعطائكم حظها من الشهوات . قال بعضهم : ظلم نفسه من أطلق عناقها في طرق الأماني من اتّباع الشهوات ، وارتكاب السيئات ، والتخطّي إلى المحارم . [ تفسير الآية 37 ] قوله تعالى : زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ذمّ اللّه قوما عموا عن رؤية ما بدا لهم من نفوسهم من المخاييل الشيطانية التي هيجتهم إلى الاستبداد بآرائهم الفاسدة في استبداعهم طهي الباطل ، وهم رأوها من أنفسهم مستحسنة ، من قلة عرفانهم بطريق السنة الإلهية . قال الواسطي : خيرهم على ما فيه هلاكهم ، ولم يعذبهم ، بقوله : زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ . وسئل جعفر الصادق عن قوله : زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ . [ تفسير الآية 38 ] قال : هو الرياء ، ثم حث المؤمنين بترك الدنيا ولذّتها ؛ لأجل مشاهدته ، وحسن رضاه بقوله : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ أي : اخترتم موضع الكرامات ، وظهور الآيات عن كشف المشاهدات . قال يحيى بن معاذ : الناس من مخافة النصيحة في الدنيا وقعوا في فضحية الآخرة . قال اللّه : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ ، ثم وصف الدنيا بالقلة والدناءة ، ووصف الآخرة بالشرف والمنزلة ، بقوله : فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ أي : ما وجد العارف الصادق في الدنيا من القربة والمعرفة ، والوجه والحالة والفضل والكرامة في جنب ما تجده من الحضرة بعد

--> ( 1 ) لمّا علم أنهم لا يداومون على ملازمة القرب أفرد بعض الشهور بالتفضيل ، ليخصّوها باستكثار الطاعة فيها . فأمّا الخواص من عباده فجميع الشهور لهم شعبان ورمضان ، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة ، وجميع البقاع لهم مسجد ، تفسير القشيري ( 3 / 95 ) .