روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
79
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 191 إلى 195 ] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) أمر اللّه تعالى أهل عرفان الحقيقة بقتال النفس على السرمدية ، وقطع بنية دواعي البشرية لسلامة صدورهم عند اجتماع همومهم بين يديه ، وترك تجاوز الحد بإهمالها ، والوقوف على حظوظها . وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ « 1 » أي : حاربوا أنفسكم على دوام الرعاية لأوقاتكم بنعت تصفية أحوالكم عن دنس الطبيعة ، وخبث الجبلة ، وإزالة أوصاف البشرية حتى لا يكون وقوع خطرات العدو في ديوان الأسرار يعني صدور الصافية ، وقلوب النقية المنورة بنور الأحدية ، ويكون بعد جمع الهم أسراركم وطنات مكاشفات القربة ، وحقائق الإيمان تستولي على بواطن حقيقة النفوس بنعت انفراد الأسرار بين يدي العزيز الغفار . وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الإنفاق على ثلاثة أحوال : نفقة الزاهدين ، ونفقة المحبين ، ونفقة العارفين ، أما نفقة الزاهدين بترك جميع الدنيا مع لذاتها لأهلها حتى استمتع بها الأنام ، وبذل نفوسهم للّه في أيام اللّه ، وأما نفقة المحبين فإعطاء ما نالوا من الحق لأهل الحق ، وأما نفقه العارفين فبذل الأرواح في مقام الفناء من وجدان غيرة الحق في أسرارهم ، أمرهم اللّه تعالى بالإعراض عن الكون مع استطابة أحوالهم بلذائذ المحبة ، والدخول في مقام الإحسان ؛ لأن الإحسان أعلى المراتب من رتبة أهل المشاهدة ؛ أعلمهم اللّه تعالى ألا ينالوا حقيقة المشاهدة إلا ببذل حياتهم لأهل خالصة الحق ، وأخبر أن مقام الإحسان مقرون بالمحبة ، لأجل ذلك قال تعالى : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، ومن فاته الإحسان احتجب عن المشاهدة ، وهلك في قبضة بطش النفس متحيرا في هاوية هواها مصروعا في ورطة هوساتها .
--> ( 1 ) أي : حتى لا يوجد منهم شرك ، فهو كقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل حتّى يقولوا : لا إله إلّا اللّه » . ( ويكون الدين كلّه للّه ) بحيث تضمحل الأديان الباطلة ويظهر الدين الحق .