روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

40

عرائس البيان في حقائق القرآن

وقال الشبلي : وكنتم أمواتا عنه ، فأحياكم به . وقال ابن عطاء : كنتم أمواتا بالظاهر ، فأحياكم بمكاشفة الأسرار ، ثم يميتكم عن أوصاف العبودية ، ثم يحييكم بأوصاف الربوبية ، ثم إليه ترجعون عند تحيّركم عن إدراكه صرف الذّات والصفات عن شواهد المعرفة في طلب الحقيقة . قال فارس : كنتم أمواتا بشواهدكم ، فأحياكم بشواهده ، ثم يميتكم عن مشاهدكم ، ثم يحييكم بقيام الحق عنه ، ثم إليه ترجعون عن جميع ما لكم وكنتم له . وقال الواسطيّ : وبّخهم بهذا غاية التوبيخ ؛ لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء ، فإنما النزاع من الهياكل الروحانية . هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً : لاعتباركم وامتحانكم ، حتى يميّز بين الصادق بتركها لوصوله إلى خالقها ، وبين المدّعي بسكونه إليها عن مدبّرها . وأيضا خلق لكم ما في الأرض جميعا ؛ لتطلبوا في الأشياء خالق الأشياء ؛ لأنه أظهر نفسه في مرآة الكون للعارفين والمحبّين . قال ابن عطاء : ليكون الكون كلّه لك ، وتكون للّه ، فلا تشتغل بما لك عمن أنت له . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 29 إلى 30 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وقال بعض البغداديين في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ : أنعم عليكم بها ، فإن الخلق عبدة النعم ؛ لاستيلاء النعمة عليهم ، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه بالمنعم رؤية النعم . وقال أبو الحسين النوريّ : أعلى مقامات أهل الحقائق ، الانقطاع عن العلائق . وقال ابن عطاء : أحكم التدبير فيهن ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي : كما زيّن ملكوت الأرض بأنوار القدرة للمؤمنين ، قصد إلى تزيين ملكوت السماء بماء العزّة للعارفين . إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 1 » : لما لم يعرفوا اللّه تعالى بحقّ المعرفة ، وعجزوا عن

--> ( 1 ) جعل آدم خليفة ، وأعطاه حكم الخلافة ، والخليفة لفظة مؤنثة ؛ لأنها محل التكوين ، وبها ظهر الكون ، وهي زبدة مخضة الطبيعة التي ظهرت بتحريك الأفلاك وهي روح اللبن ، فإذا خرج من العالم ، فالعالم يكون كالنفل لا عبرة به ، فافهم .