روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
35
عرائس البيان في حقائق القرآن
بالجوع والتقطّع . وقال أيضا « مرض » : بقلة المعرفة بنعم اللّه تعالى ، والقعود عن القيام بشكرها ، والغفلة عنها وهذا مرض القلب الذي ربما يتعدّى . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي : لا تنكروا أولياء اللّه ، ولا تشوّشوا قلوب المريدين بغيبة شيوخهم عندهم ، ولا تلقوهم إلى تهلكة الفراق ، وقنطرة النفاق . وأيضا لا تخرّبوا مزارع الإيمان في قلوبكم ، بالركون إلى الدنيا ولذّاتها . أمّا قوله : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ : فأوقعهم اللّه في شرّ الاستدراج ، وحجبهم عن إصلاح المنهاج ، فرأوا مساوئهم المحاسن ، فاحتجبوا عن المعنى ، وخرجوا بالدعوى ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا في ترك نصيحة العلماء ، ومصادفة الأولياء ، وهذا معنى قوله تعالى : وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ . وقيل : هم المفسدون بعصيان الناصحين لهم ، ولكن لا يشعرون ؛ لأنهم محجوبون عن طريق الإنابة والهداية . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي : يتركهم على ما هم عليه ، ولا يهديهم إليه ، وأيضا يريهم الأعمال ، ويحرّم عليهم الأحوال ، وقيل : يحسّن في أعينهم قبائح أفعالهم . أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى : لما احتجبوا عن رؤية حقيقة مشاهدة الأحوال ، ولم ينالوا عزّة معاني القربة ، أثروا حظوظهم على ما أوتوا من الكرامات الظاهرة ، حين باعوها بلذائذ الشهوة ، وهذه صفة إبليس ، وبلعام ، وبرصيصا وأمثالهم من أهل الخداع . وقال ابن عطاء : القناعة بالحرص ، والإقبال على اللّه تعالى بالميل إلى الدنيا . فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ : ما ربح من يبدّل بي سواي . وَما كانُوا مُهْتَدِينَ : في سابق علمي ، فلأجل ذلك مالوا عني . مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً : هذا مثل من دخل طريق الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق ، يعمل عمل الظاهر ، وما وجد حلاوة الباطن ، فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال . وأيضا مثل من استوقد نيران الدعوى ، وليس معه حقيقة الغنى ، فأضاءت ظواهره بالصيت والقبول ، فأفشى اللّه نفاقه بين الخلق حتى يبدوه في أخسّ السخرية ، ولا يجد مناصّا من فضاحة الدنيا والآخرة . وقال أبو الحسن الورّاق : هذا مثل ضربة اللّه لمن لم تصح له أحوال الإرادة ، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر ، فكان يضيء عليه الأحوال الإرادية ، لو صحّحها