روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

29

عرائس البيان في حقائق القرآن

لا تكون إلا من رؤية أبصار بصائرهم أنوار غيب الغيب ، وترائي الغيب لا يكون للروح الناطقة ؛ إلا بعد أن يؤيدها الحق بتبيين البراهين ، واستكشافه حقائق الاستدلال ، بشهود الحال رؤية المدلول ، واستحكام أنوار البصيرة ، فإذا كملت هذه الأوصاف للروح ، أبصرت صفاء صحارى الغيب ، وتمكّنت تحت ركوم أنوار اليقين ، وسناء قدس الحق ، بنعت بروزه في لباس حقّ اليقين ، وحقيقة حق اليقين لا تحصل بالتحقيق ؛ إلا بعد انسلاخ السرّ عن الاستشهاد والاستدلال . فإذا فرغ منها أوصله التأييد إلى مراتب الكشوف ، وإيضاح الفرقان ، وأورده لصدق تحقيق رؤية الغيب ، ساحات استبصار عيون النفوس ، واستغنائه بما أنس من عجائب جلال المشهود من سيرانه في عالم الشواهد . وإذا عاين مكشوفات الغيب ببصر العرفان ، دخل في جوف إيواء عزّ الحق ، وإغناء الحق بلوائح البيان عن طلب المشاهدة ، بالفكر في الحدثان . وتطلع له شموس أسرار أنوار القدم ، وتخلّصه بجمالها عن اقتباس مصابيح البراهين . وإذا برق السرّ بهذه المعاني ، أشرق له حق الغيب بأوصافه ، فصار السرّ والغيب متّحدين ، ويكون السرّ غيبا بعينه ، والغيب سرّا بعينه ، فيغيّب السرّ في الغيب ، والغيب في السرّ . وتحصيل هذا العلم أن : الغيب يصير أهلا للسرّ ، لا يحوي فوءه عنه أبدا ، وصاحبه في كل حال شاهد المشاهدة يرى في جميع الأنفاس عالم الملكوت ، وعالم الجبروت ، وهذه صفة قلب محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وقال الشبليّ : لمّا صفت أرواحهم ، وأشرفت همومهم ، أشرفوا على أسرار الغيب بعظم أمانيهم . وقال بعضهم : الذين تصدّق نفوسهم أرواحهم ؛ بما أدّت إليهم من خير ما شاهدته قلوبهم ، بما غيّب عن نفوسهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 10 إلى 15 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 )