روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
20
عرائس البيان في حقائق القرآن
بصفاته كما وصف نفسه فقد حمده ؛ لأن الحمد حاء ، وميم ، ودال ؛ « فالحاء » من الوحدانية ، و « الميم » من الملك ، و « الدال » من الديمومية ، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك ؛ فقد عرفه . وقال رجل بين يدي الجنيد : « الحمد للّه » ، فقال له : أتممها كما قال اللّه ، قل : رَبِّ الْعالَمِينَ ، فقال له الرجل : ومن العالمون حتى يذكروا مع الحق ؟ ! فقال : قله يا أخي ، فإن الحادث إذا قارن بالقديم لا يبقى له أثر . قوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ ؛ لأنه أظهر نفسه عليهم حتى نالوا من بركاتهم ما هداهم إلى معرفته ، فربّاهم بها على قدر مذاقهم ، فربّى المريدين بشعشعة أنواره ، ولوائح أسراره ، وربّى المحبين بحلاوة مناجاته ، ولذة خطابه ، وربّى المشتاقين بحسن وصاله ، وربّى العاشقين بكشف جماله ، وربّى العارفين بمشاهدة بقائه ، ودوام أنسه ، وحقائق انبساطه ، وربّى الموحدين برؤية الوحدانية والأنانية في عين الجمع ، وجمع الجمع . وقيل : رَبِّ الْعالَمِينَ أي : منطقهم بحمده . وذكر عن ابن عطاء : رَبِّ الْعالَمِينَ أي : مربي أنفس العارفين بنور التوفيق ، وقلوب المؤمنين بالصبر والإخلاص ، وقلوب المريدين بالصدق والوفاء ، وقلوب العارفين بالفكرة والعبرة . وقال محمد بن عليّ الترمذي : علم اللّه تواتر نعمه على عباده ، وغفلتهم عن القيام بشكره ، فأوجب عليهم في العبادة التي تكرر عليهم في اليوم والليلة : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، فيكون ذلك قياما لشكره ، وألا يغفلوا عنه ، فأبوا ذلك . وقال بعضهم : ذكر بِسْمِ اللَّهِ ، ثم قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ : أعلم أن منه المبتدأ ، وإليه المنتهى . وقال الحارث المحاسبي : إنّ اللّه بدأ بحمد نفسه ، فأوجب للمؤمنين تقديم الْحَمْدُ لِلَّهِ في أول كل كتاب ، وكل خطبة ، وكل قول حسن ، وهو أحسن ما ابتدأ به المبتدئ ، وافتتح مقالته . وقال بعضهم : من قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ؛ فقد قام بحق العبودية ، وشكر النعمة . وقال بعضهم : ظهر فضل آدم على الكلّ ، بقوله حين عطس : الْحَمْدُ لِلَّهِ . وقال الأستاذ : مربّي الأشباح بوجود النعم ، ومربّي الأرواح بشهود الكرم .