علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )
52
تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء
وأمّا كون الشّيطان يخلفه على كرسيّه ويحكم بالباطل ، فليس على نبيّ اللّه - عليه السّلام - لو صحّ في ذلك دقيق ولا جليل « 1 » من الإثم ، وهذا بمثاب عيسى - عليه السّلام - حين عبد من دون اللّه ، كما جاء في الصّحيح « 2 » عنه - عليه السّلام - قال : فيأتون عيسى ولم يذكر ذنبا ، فيقول : لست هناكم وقد عبدت أنا وأمّي من دون اللّه ، فامتنع عنها « 3 » حياء من اللّه . ومع ذلك فالخبر باطل من وجه آخر ، وهو أنّه لو جاز أن يخلف النبيّ شيطان على صورته ويستنبط في شريعته أحكاما فاسدة ، لكان ذلك إخلالا بالنّبوة إذ كان يتخيّل النّاس ذلك في سائر أحكام الأنبياء حتى لا يتميّز حكم النّبي من حكم الشّيطان ، فيشكل الأمر على المكلّفين ولا يتقون أمرا بعد ، وهذا بمثابة تقدير خرق العادة على أيدي الكذّابين في ادّعاء النّبوة ، وهذه الألقية « 4 » في هذه القصّة من دسائس البراهمة في إبطال النّبوّات واللّه أعلم . وأمّا ما يليق بسليمان - عليه السّلام - في باب الأولى والمباح في هذه القصّة ، فهو أنّه ما كان يقول لامرأته في طلب الحكومة لأخيها : نعم حتى يتبيّن له الحقّ أو يتبيّن لها ما أضمر ، فيقول لها : نعم ، إذا وجب له الحقّ فيها فإنه لا يحكم بجور ولا يجوز عليه ذلك .
--> ( 1 ) أي ليس عليه إثم : لا صغير ولا كبير . ( 2 ) انظر صحيح مسلم 1 / 185 ، وصحيح البخاريّ 5 / 147 و 226 ، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 2 / 436 ، والعبارة : ( وقد عبدت أنا وأمّي من دون اللّه . . ) لم ترد في الكتب الثلاثة . ( 3 ) أي امتنع عن طلب الشّفاعة . ( 4 ) الألقية : ما ألقي . والمقصود ما ألقي - أي ما دسّ - في قصّة سليمان عليه السلام من أقوال البراهمة ، الذين لا يؤمنون بالنبوّات ، ويبطلونها جملة ، وهذه واحدة من ضلالات الوثنيّة وفي تفسير أبي حيان الغرناطي ، وقد جاء بعد مؤلف هذا الكتاب بزمان ، أنّ فيما نقله بعض المفسرين في قصة الكرسي أقوالا يجب البراءة منها : ( وهي ممّا لا يحلّ نقلها ، وهي إمّا من أوضاع اليهود أو الزنادقة ) . قال : ولم يبيّن اللّه تعالى الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان ، وذكر كلاما مشابها لما قال المؤلف رحمه اللّه .