عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
256
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
وإنما المراد به : الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمم . والمعنى : أن تقوموا لوجه اللّه خالصا متفرقين . مَثْنى وَفُرادى اثنين اثنين وواحدا واحدا ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به ، ويعرض كل واحد منكم محصول ما أداه فكره إليه على شريطة المناصعة وعزل الهوى ، أو يراجع رشده إذا خلا بنفسه وأمعن النظر ، فإنكم إن فعلتم ذلك هجم بكم الفكر الصالح على النظر الصحيح وأصبتم طريق الحق . فإن قيل : لم أمرهم بالقيام مثنى وفرادى فقط ؟ قلت : لغرض صحيح نعرفه عن استعداء العادات ، وهو أن الجموع الوافرة والعصب المتكاثرة يوجب اضطراب آرائها واختلاف أهوائها اختلاط القول وتوقد ثائرة التعصب ، وهذا أمر لا يجامعه الإنصاف غالبا وظاهرا . وفي قوله تعالى : ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إشعار بأن هذا الأمر العظيم الذي ينتظم في سلك المبعوث به سياسة الملك ورئاسة الدين ، لا يتصدى لادعاء مثله إلا أحد رجلين ؛ مجنون لا يبالي عند ظهور عجزه عن إثبات صحة ما ادعاه بالافتضاح ، أو عاقل مؤيد بالعجز [ مصطفى ] « 1 » للنبوة ، وإلا فما يحمل العاقل على مثل هذه الدعوى التي يبقى صاحبها بعرضة السخرية والاستهزاء إذا لم يثبت ، وقد علمتم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما به من جنّة ، بل علمتموه أرزن قريش حلما ، وأغزرهم مروءة ، وآصلهم رأيا ، وأصدقهم لسانا ، وأجمعهم لمكارم الأخلاق . إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ أي : ما هو إلا مخوف لكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
--> ( 1 ) في الأصل : مطفى .