عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
493
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
قال المبرد « 1 » : وهذا على عادة العرب ، فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء : كتمته حتى من نفسي ، أي : لم أطلع عليه أحدا . وقال قطرب : إن قيل : كيف يخفي اللّه تعالى من نفسه وهو خلق الإخفاء ؟ قلنا : إن اللّه تعالى كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه ، ألا ترى أن الرجل يعذل أخاه يقول : أذعت سرّي . فيقول مجيبا له معتذرا إليه : واللّه لقد كتمت سرّك من نفسي فكيف أذيعه ؟ معناه عندهم : أخفيته الإخفاء كله . قال الشاعر : أيام تعجبني هند وأخبرها ما * أكتم النفس من حاجي وأسراري « 2 » فكيف يخبرها بما يكتم من نفسه ، فمجاز الآية على هذا . وقال الزمخشري « 3 » : المعنى : أكاد أخفيها ، فلا أقول هي آتية « 4 » لفرط إرادتي إخفاءها . وأنكر تفسير الجمهور ، فقال : لا دليل في هذا الكلام على هذا المحذوف ، ومحذوف لا دليل عليه مطّرح . قال الزمخشري « 5 » : والذي غرّهم منه أنّ في مصحف أبيّ بن كعب : " أكاد أخفيها من نفسي " .
--> ( 1 ) انظر قول المبرد في : الوسيط ( 3 / 203 ) ، وزاد المسير ( 5 / 276 ) . ( 2 ) انظر البيت في : القرطبي ( 11 / 185 ) . ( 3 ) الكشاف ( 3 / 57 - 58 ) . ( 4 ) في الأصل : أيأتيه . والتصويب من ب ، والكشاف ( 3 / 57 ) . ( 5 ) الكشاف ( 3 / 58 ) .