عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي

400

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز

قال الحسن البصري : التقى يحيى وعيسى ، فقال يحيى لعيسى : أنت خير مني ، فقال عيسى ليحيى : بل أنت خير مني ، سلّم اللّه عليك ، وأنا سلّمت على نفسي « 1 » . فصل : يتضمن نبذة من حال يحيى عليه السّلام قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص : دخل يحيى بن زكرياء عليهما السّلام بيت المقدس وهو ابن ثماني حجج ، فنظر إلى عبّاد بيت المقدس قد لبسوا مدارع الشعر وبرانس الصوف ، ونظر إلى متهجّديهم - أو قال : مجتهديهم - قد خرقوا التراقي ، وسلكوا فيها السلاسل وشدّوها إلى جدار بيت المقدس ، فهاله ذلك ، ورجع إلى أبويه فمرّ بصبيان يلعبون فقالوا : يا يحيى هلمّ نلعب ! فقال : إني لم أخلق للّعب ، فذلك قول اللّه : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، فأتى أبويه فسألهما أن يدرّعاه الشّعر ، ففعلا ، ثم رجع إلى بيت المقدس فكان يخدم نهاره ويأوي فيه ليلا ، حتى أتت له خمس عشرة حجة ، فوافاه الخوف فخرج سائحا ، وأمّ أطراف الجبال وغيران الشعاب ، وخرج أبواه في طلبه ، فوجداه على بحيرة الأردن وقد قعد على شفير البحيرة وقد كاد العطش يذبحه وهو يقول : وعزتك لا أذوق برد الشراب حتى أعلم أين مكاني منك ؟ فسأله أبواه أن يأكل قرصا كان معهما من شعير ويشرب من الماء ، فقبل وكفّر عن يمينه ، فمدح بالبرّ ، قال اللّه : وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 16 / 59 ) ، وابن أبي عاصم في الزهد ( ص : 76 ) . وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ( 5 / 215 ) . قال القرطبي ( 11 / 89 ) : انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال : إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من اللّه تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه . قال ابن عطية : ولكل وجه .