عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
253
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
ويقولون : إن هذا قد أصاب كنزا ، ففرق « 1 » منهم فرقا شديدا ، وظنّ أنهم قد فطنوا به ، وأنهم يريدون أن يذهبوا به إلى الملك دقيانوس . فقالوا له : يا فتى من أنت ؟ وما شأنك ؟ واللّه لقد وجدت كنزا وأنت تريد أن تخفيه ، فشاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فنسلمك إليه ، فلم يدر ما يقول . فطرحوا كساءه في عنقه ، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة ملبّبا « 2 » والناس يقولون : رجل عنده كنز ، واجتمع أهل المدينة عليه ينظرون إليه وهو يبكي ويقول : فرّق بيني وبين إخوتي ، يا ليتهم يعلمون ما لقيت ، فانطلقوا به حتى أتوا رجلين صالحين كانا يدبّران أمر المدينة ، فنظرا إلى الورق ثم قالا : أين الكنز الذي وجدت يا فتى ؟ فقال : واللّه ما وجدت كنزا ، ولكن هذا الورق ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها ، ولكني واللّه ما أدري ما شأني وما أدري ما أقول لكم . فقال أحدهما : من أنت ؟ وما اسمك واسم أبيك ؟ فأخبرهم ، فلم يجدوا من يعرفه . فقال بعضهم : هذا مجنون . وقال بعضهم : ليس بمجنون ، ولكنه يحمّق نفسه عمدا حتى ينفلت منكم ، فقال أحدهما - ونظر إليه نظرا شديدا - : تظن أنك تسخر منا وخزائن هذه البلدة بأيدينا وأمر تدبيرها إلينا ، وإني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا حتى تعترف بهذا الكنز ، فقال يمليخا : أنبئوني عن شيء أسألكم عنه ، فإن فعلتم صدقتكم ؟ قالوا : سل ؟ قال : ما فعل الملك دقيانوس ؟ قالوا : لا يعرف اليوم على وجه الأرض ملك يسمى دقيانوس ، ولم يكن إلا ملك هلك منذ زمان ودهر طويل ، وقد هلكت بعده قرون كثيرة . فقال يمليخا : واللّه ما صدقني أحد فيما أقوله ، لقد كنا فتية وأكرهنا الملك دقيانوس
--> ( 1 ) الفرق : الخوف ( اللسان ، مادة : فرق ) . ( 2 ) لبّب الرّجل : جعل ثيابه في عنقه وصدره في الخصومة ، ثم قبضه وجرّه ( اللسان ، مادة : لبب ) .