عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي

110

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز

وقالت الأنصار : لئن أمكننا اللّه منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . هذا قول ابن عباس وأبي بن كعب وأبي هريرة وعامة المفسرين « 1 » . وقد أخرج الترمذي من حديث أبي بن كعب قال : « لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، منهم : حمزة بن عبد المطلب ، فمثّلوا بهم . فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم في التمثيل . فلما كان يوم فتح مكة أنزل اللّه تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : كفوا عن القوم إلا أربعة » « 2 » . فإن قيل : قتل الكافرين للمؤمنين لم يكن عقوبة بل مثوبة ، فكيف قال : بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ؟ قلت : لازدواج الكلام ، وقد سبقت نظائره . وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ رجاء الثواب لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . فإن قيل : ما وجه هذا الكلام وقد ثبت بالدليل الشرعي والبرهان العقلي أن النكاية في الكفار وبكل ما فيه استئصال شأفتهم أفضل من الصبر عليهم ؟ قلت : المعنى : ولئن صبرتم عن المثلة ، أو صبرتم عن التمثيل بالأحياء منهم ، أو يكون ذلك ترغيبا لهم في الصبر عن الأخذ بالثأر على وجه التشفّي والانتقام

--> - ( 4 / 507 ) . ( 1 ) أسباب النزول للواحدي ( ص : 291 ) ، وزاد المسير لابن الجوزي ( 4 / 508 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 5 / 299 ح 3129 ) .