عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
359
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
ويجوز أن يكون المراد : إن ربي بكيدهن عليم وعليه مجاز . قال المفسرون : فجمعهن الملك وفيهن إزليخا فقال : ما خَطْبُكُنَّ أي : ما شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ « 1 » . إن قيل : المراودة واحدة ، فلم جمعهنّ في السؤال ؟ قلت : قال ابن الأنباري « 2 » : جمعهن ليعلم عين المراودة . وليس هذا بشيء ؛ لأنه من المستحيل في العادة أن تكون مثل هذه القصة خفيت على الملك مع اشتهارها ، وسجن يوسف لأجلها هذا الزمان الطويل . وإنما الجواب الصحيح في نظري : هو أن يقال : كلهن مراودات ، هي راودته لنفسها ، وهنّ راودنه لأجلها ؛ بتحسين ذلك له وتسهيله عليه ، وكذلك جمعهن يوسف في قوله : إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ . قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ فضاق على أزليخا حينئذ الخناق عند اعتراف النسوة بنزاهته ، وعلمت أنها لا وزر لها إلا الصدق ، فقالت : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي : ثبت واستقر ، من قولك : حصحص البعير ؛ إذا ألقى ثفناته « 3 » للإناخة « 4 » ، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ في قوله ، فقال يوسف حينئذ : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ .
--> ( 1 ) الطبري ( 12 / 236 ) ، والوسيط ( 2 / 617 ) ، وزاد المسير ( 4 / 236 - 237 ) . ( 2 ) انظر : الوسيط ( 2 / 617 ) ، وزاد المسير ( 4 / 237 ) . ( 3 ) الثّفنة من البعير والناقة : ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ ؛ كالركبتين وغيرهما ( اللسان ، مادة : ثفن ) . ( 4 ) انظر : اللسان ( مادة : حصص ) .