عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
317
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
يكونان ظرفين ، ألا ترى إلى قول الفرزدق : يطاعن قبل الخيل وهو أمامها * ويطعن عن أدبارها إن تولّت « 1 » وقال تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ [ الطور : 49 ] فنصبه على الظرف ، وهو جمع دبر . وَأَلْفَيا سَيِّدَها أي : صادفا بعلها قطفير عند الباب يريد الدخول ، فاستقبلته ودهته بكيد جمعت فيه بين أغراضها ، وهي براءتها من الريبة ، وتهييج زوجها على يوسف ، حيث لم يواقعها ، وتخويفه من مخالفتها في تأتّي الحال ، فقالت : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً تريد : الزنى ، إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أي : ما جزاؤه إلا السجن . وقيل : إن « ما » استفهامية ، على معنى : أيّ شيء جزاؤه إلا السجن . والعذاب الأليم : الضرب بالسياط ، في قول عامة المفسرين « 2 » . فلما أغرت زوجها بيوسف وعرضته للعذاب ، قرّعه بسياط التوبيخ والتعنيف ، فقال له : يا يوسف ، أخنتني وغدرت بي ، وغررتني بصلاحك ؟ فقال مبرئا لنفسه الشريفة من وصمة الفاحشة ، دافعا عنها عار الخيانة ، ومنزها لها عن التلوث بما رمته به من الإساءة إلى من أحسن إليه وأوصى به خيرا : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ، ولولا ذلك لزجرته طباعه الكريمة وأغراضه المستقيمة وأعراقه الزكية عن إظهار سرّها وهتك سترها ، ولكن تلجئ الضرورات في الأمور إلى سلوك ما لا يليق بالأدب . فإن قيل : هل تضمن هذا الاعتذار حكمة وفائدة غير عائدة إلى يوسف بالمعنى
--> ( 1 ) البيت للفرزدق ، وهو ليس في ديوانه . وانظر : المحتسب ( 1 / 338 ) . ( 2 ) ذكره الواحدي في الوسيط ( 2 / 609 ) ، وابن الجوزي في زاد المسير ( 4 / 211 ) .