عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي

635

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز

إبراهيم يطلبون الطعام ، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة ، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه ، فلم يعطهم شيئا ، فقالوا : لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا جئنا بميرة ، فملئوا الغرائر رملا ، ثم أتوا إلى إبراهيم ، فأعلموه ، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق ، فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان ، ففتحت الغرائر ، فإذا دقيق حوّارى « 1 » ، فأمرت الخبّازين فخبزوا وأطعموا الناس ، فاستيقظ إبراهيم عليه السلام فقال : من أين هذا الطعام ؟ قالت : من عند خليلك المصري ، فقال : بل من عند اللّه ، خليلي اللّه ، فيومئذ اتخذه اللّه خليلا « 2 » . قال ابن عباس : الخليل : الصفي « 3 » . والمعنى : اصطفى إبراهيم واختصه بأسنى المواهب ، وأقوم المذاهب ، وأناله من الكرامة فوق ما رامه ، وجعله جرثومة الرسالة ، ودوحة الإمامة . واشتقاق الخليل من الخلّة ، وهي : الحاجة ، فإبراهيم خليل اللّه ، أي : فقيره الذي ينزل به فقره وفاقته لا بغيره ، أو من الخلّة - بضم الخاء - وهي : الصداقة ، والخليل : المحبّ الذي ليس في محبته خلل ، فسمي إبراهيم خليل اللّه ؛ لأن اللّه أحبه محبة تامة ، وأحبّ اللّه محبة تامة لا خلل فيها . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ أي : بكل شيء من خلقه ، مُحِيطاً بعلمه ، ومضمون ذلك ترغيب الصالح ، وترهيب الطالح .

--> ( 1 ) الحوّارى : الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه ( اللسان ، مادة : حور ) . ( 2 ) ذكره الطبري ( 5 / 298 ) ، والثعلبي ( 3 / 392 ) ، والواحدي في أسباب النزول ( ص : 185 ) . ( 3 ) ذكره الثعلبي ( 3 / 392 ) ، وابن الجوزي في زاد المسير ( 2 / 211 ) .