عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
209
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
بشّرنا به عيسى ابن مريم « 1 » ، وقال : من آمن به فقد آمن بي ، ومن كفر به فقد كفر بي ، فقال النجاشي : يا جعفر ، هي ! بم يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه ؟ قالوا : يقرأ علينا كتاب اللّه ، ويأمرنا بالمعروف ، وينهانا عن المنكر ، ويأمر بحسن الجوار ، وصلة الرّحم ، وبرّ اليتيم ، ويأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا شريك له ، فقال له : اقرأ عليّ شيئا مما يقرأ عليكم ، فقرأ عليه سورة العنكبوت والروم ، ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدمع ، وقالوا : يا جعفر ؛ زدنا من هذا الحديث الطيب . فقرأ عليهم سورة الكهف . فأراد عمرو أن يغضب النجاشي ، فقال : إنهم يشتمون عيسى وأمه ، فقال النجاشي : ما تقولون في عيسى وأمه ؟ فقرأ عليهم جعفر سورة مريم ، فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة « 2 » من سواكه قدر ما تقذي العين ، فقال : واللّه ما زاد المسيح على ما تقولون هذا . ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال : اذهبوا فأنتم سيوم « 3 » بأرضي ، يقول : آمنون ، من سبّكم أو آذاكم غرم ، ثم قال : أبشروا ولا تخافوا ، فلا دهورة « 4 » اليوم على حزب إبراهيم ، فقال عمرو للنجاشي : ومن حزب إبراهيم ؟ قال : هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم ، فأنكر ذلك المشركون
--> ( 1 ) ومصداق ذلك من القرآن ، قوله تعالى : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . . . الآية [ الصف : 6 ] . ( 2 ) النفثة والنفاثة : الشظية من السواك تبقى في فم الرجل فينفثها ( اللسان ، مادة : نفث ) . ( 3 ) سيوم : أي : آمنون ( النهاية في غريب الحديث ، مادة : سيم ) . ( 4 ) الدهورة : جمعك الشيء وقذفك به في مهواة . كأنه أراد لا ضيعة عليهم ، ولا يترك اللّه حفظهم وتعهدهم ( النهاية في غريب الحديث ، مادة : دهر ) .