عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
198
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
والمعنى : إن مثل عيسى عند اللّه في الخلق والإنشاء من غير أب وإيجاده إيجادا خارقا للعادة ، كمثل آدم ، وكون آدم خلق من غير أبوين لا يمنع من تشبيه عيسى به في أحد الطرفين ، إذ المماثلة لا تقتضي المشاركة من كل وجه ، وفي ضمن تمثيل عيسى بآدم قطع لحجّة الخصم بأبلغ الطرق ، حيث اعتقد استحقاق عيسى للإلهية بإيجاده من غير أب ، فأورد عليه ما هو أعجب من عيسى ، وهو آدم . وبلغنا أن بعض العلماء أسرته الروم ، ففاوضوه يوما في ذكر عيسى ، فقال : لم تعبدونه ؟ فقالوا : لأنه لا أب له ، قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له ، قالوا : كان يحيي الموتى ، قال : فحزقيل « 1 » أولى ، لأن عيسى أحيا أربعة أنفس وحزقيل أحيا ثمانية آلاف ، قالوا : فكان يبرئ الأكمه والأبرص ، قال : فجرجيس « 2 » أولى لأنه طبخ وأحرق ، ثم قام سالما « 3 » . قوله : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ يعني : صوّره وقدّره جسدا من طين ، لا روح فيه . ثُمَّ قالَ لَهُ أي لآدم ، وقيل : لعيسى ، كُنْ فَيَكُونُ أي : فكان ، وقد قررنا مثل ذلك في قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [ البقرة : 102 ] . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، أي : هذا الحق من ربك ، أو أتاك الحق ، أو هو مبتدأ وخبر . ثم خاطب المؤيّد بالعصمة بالنهي عن الامتراء ، وهو : الشك فيما جاءه من
--> ( 1 ) حزقيل وهو الذي يقال له : ابن العجوز ؛ لأن أمه سألت اللّه الولد وقد كبرت فوهبه اللّه لها ، وهو الذي دعا للقوم الموتى فأحياهم اللّه ( الكامل 1 / 160 ) . واللّه أعلم بصحة هذه الرواية . ( 2 ) جرجيس : رجل صالح من أهل فلسطين ، أدرك بقايا من حواريي عيسى عليه السلام ( الكامل 1 / 285 ، والمنتظم ( 2 / 148 ) . ( 3 ) ذكره النسفي في تفسيره ( 1 / 157 ) .