ابن عربي
94
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
القلب ، فيدركه من ألقي عليه فيفهم منه ما قصد به من أسمعه ذلك ، وقد يحصل له ذلك في صورة التجلي حيث كان ، فيكلمه من وراء حجاب صورة ما يكلمه به ، فتخاطبه تلك الصورة الإلهية وهي عين الحجاب ، فيفهم من ذلك الخطاب علم ما يدل عليه ، ويعلم أن ذلك حجاب ، وأن المتكلم من وراء ذلك الحجاب ، ورد في الصحيح تجلي الحق في الصور وتحوله فيها ، وقد يكون من وراء حجاب يريد إسماعه إياه لحجاب الحروف المقطعة والأصوات ، كما سمع الأعرابي القرآن المتلو الذي هو كلام اللّه ، أو حجاب الآذان أيضا من السامع ، فيكون الحجاب صورة بشرية لتقع المناسبة بين الصورتين بالخطاب ، وقد يكون الحجاب بشريته مطلقا ، فيكلمه في الأشياء كما كلم موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن في البقعة المباركة ، ( أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ ) فوقع الحد بالجهة ، وتعين البقعة ، فكان الحجاب صورة النار التي وقع فيها التجلي ، « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » من جنسك وغير جنسك ، فمن - الوجه الأول - يكلمه بواسطة بشر ، وهو قوله ( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) فأضاف الكلام إلى اللّه ، وما سمعته الصحابة ولا هذا الأعرابي إلا من لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو إذا أوحى اللّه إلى الرسول البشري من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط ، وألقاه الرسول علينا ، فهو كلام الحق لنا من وراء حجاب تلك الصورة المسماة رسولا إن كان مرسلا إلينا أو نبيا ، فإن الحق لا يكلم عباده ولا يخاطبهم إلا من وراء حجاب صورة يتجلى لهم فيها ، تكون تلك الصورة حجابا عنه ودليلا عليه ، ألا ترى كلام اللّه موسى عليه السلام وقد تجلى له في صورة حاجته وهي النار ، ومن - الوجه الثاني - « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » يعني لذلك البشر ، فهو ترجمان الحق في قلب العبد ، فيكلمه بوساطة رسول من ملك ، كقوله ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ) يعني القرآن الذي هو كلام اللّه ، على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون قوله تعالى على كلا الوجهين « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » ينوب عنه في الكلام ، وهو الترجمان ، فهو ما ينزل به الملك ، أو ما يجيء به الرسول البشري إلينا إذا نقلا كلام اللّه خاصة مثل التالي « فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » اللّه تعالى ما أمره أن يوحي به إليه « إِنَّهُ عَلِيٌّ » أي عليم بما تقتضيه المراتب التي ذكرها وأنزلها منزلتها « حَكِيمٌ » يريد بإنزال ما علمه منزلته - تحقيق - البشرية حجاب لا يرتفع أبدا ، - انظر في بشريتك تجدها عين سترك الذي كلمك من ورائه ، فقد يكلمك منك فأنت حجاب نفسك عنك وستره عليك ، ومن المحال