ابن عربي
70
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وصف به نفسه ، فنفى مماثلة الإنسان الكامل أن يماثله شيء من العالم ، ويعضد هذا قوله إنه خلق آدم على صورته ، فهذا خبر يقع به الأنس للنفس ، فما في العالم زائد لغير معنى ، لأنه ما فيه عبث ولا باطل ، بل كل ما فيه مقصود لمعنى ، فأتى بكاف الصفة - ما هي الكاف زائدة كما ذهب إليه بعض الناس ممن لا معرفة له بالحقائق حذرا من التشبيه - فنفى أن يماثل المثل غير من هو مثله ، فنفي المثل عن مثل المماثل ، نفي المثل عن المماثل ، أي ليس مثل مثله شيء ، وما مثله إلا من خلق على صورته ، فنفى سبحانه أن يماثل المثل فهو أحق . واعلم أنه لا جامع بين العبودية والربوبية بوجه من الوجوه ، وأنهما أشد الأشياء في التقابل ، فإن المثلين وإن تقابلا فإنهما يشتركان في صفات النفس ، وكل ضدين أو مختلفين من العالم فلا بد من جامع يجتمعان فيه إلا العبد والرب ، فإن كل واحد لا يجتمع مع الآخر في أمر ما من الأمور جملة واحدة ، فالعبد من لا يكون فيه من الربوبية وجه ، والرب من لا يكون فيه من العبودية وجه ، فلا يجتمع الرب والعبد أبدا ، فكما لا يكون العبد ربا لأنه لنفسه عبد ، فإن الرب لذاته هو رب ، فلا يتصف العبد بشيء من صفات الحق بالمعنى الذي اتصف بها الحق ، ولا الحق يتصف بما هو حقيقة للعبد ، وغاية صاحب الوهم أن يجمع بين الرب والعبد في الوجود ، وذلك ليس بجامع ، فإني لا أعني بالجامع إطلاق الألفاظ ، وإنما أعني بالجامع نسبة المعنى إلى كل واحد على حد نسبته إلى الآخر ، وهذا غير موجود في الوجود المنسوب إلى الرب والوجود المنسوب إلى العبد ، فإن وجود الرب عينه ، ووجود العبد حكم يحكم به على العبد ، ومن حيث عينه قد يكون موجودا وغير موجود ، والحد في الحالين على السواء في عينه ، فإذا ليس وجوده عينه ، ووجود الرب عينه ، فقال تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » على وجوه كثيرة ، قد علم اللّه ما يؤول إليه قول كل متأول في هذه الآية ، وأعلاها قولا ، أي ليس في الوجود شيء يماثل الحق ، أو هو مثل الحق ، إذ الوجود ليس غير عين الحق ، فما في الوجود شيء سواه يكون مثلا له أو خلافا ، هذا ما لا يتصور ، فإن اللّه هو عين الوجود ، وإن أعيان الممكنات على حالها ، ما تغير عليها وصف في عينها ، فإن قلت : فهذه الكثرة المشهودة ؟ قلنا : هي نسب أحكام استعدادات الممكنات في عين الوجود الحق ، والنسب ليست أعيانا ولا أشياء ، وإنما هي أمور عدمية بالنظر إلى حقائق النسب ، فإذا لم يكن في الوجود شيء سواه فليس مثله شيء ، لأنه ليس