ابن عربي
67
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
على خلاف ذلك ، وعلى ذلك نقول في هذه الآية « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » إنها أصل في التنزيه لأهله ، وأصل في التشبيه لأهله ، من وجه التنزيه نزه سبحانه نفسه أن يشبهه شيء من المخلوقات ، أو يشبه شيئا بقوله « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فأعلم بأنه لا يستوي الحق والخلق « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فأبهم ، فحيّر العقول والفهوم بين الإعلام والإبهام ، ففي هذه الآية نفى التشبيه المفهوم منه على زيادة الكاف أو فرض المثل ، إذ كان لا يستحيل فرض المحال ، فإن بعض العلماء يرى في ذلك أنه لو فرض له مثل لم يماثل ذلك المثل ، فأحرى أن يماثل هو في نفسه ، فما حظ العقل من الشرع مما يستقل به دليله إلا « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » على زيادة الكاف ، لا على إثباتها صفة ، ومن وجه التشبيه فإن الكاف كاف الصفة ما هي زائدة كما يرى بعضهم ، وتدل عند بعضهم على نفي المثل عن المثل المحقق ، وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إن اللّه خلق آدم على صورته ] في بعض وجوه محتملات ، فجعله مثلا ثم نفى أن يماثل ذلك المثل فقال « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » أي ليس مثل مثله شيء ، فالكاف في « كَمِثْلِهِ » على وجهين : وقتا على زيادة الكاف ، ووقتا على كونها صفة لفرض المثل ، وهو مذهبنا والحمد للّه ، فإذا كان حرف الكاف زائدا كان المقصود منه نفي مثلية المرتبة ، قال اللّه عزّ وجل : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ) فما له مثل ، إذ لو كان له مثل لم يصح نفيه ، فإنه ما نفى إلا المرتبة ، ما نفى مثلية الذات ، وما عيّن التفاضل في الأمثال إلا المراتب ، فلو زالت لزال التفاضل ، فمن ذاته يقبل الصور ، ومن مرتبته لا يقبل المثل ، وإذا كانت الكاف للصفة فمعناه ليس مثل مثله شيء ، فنفى وأثبت ، وهو قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إن اللّه خلق آدم على صورته ] فظهر في الوجود صورتان متماثلتان ، كصورة الناظر في المرآة ، ما هي عينه ولا هي غيره ، لكن حقيقة الجسم الصقيل مع النظر من الناظر أعطى ما ظهر من الصورة ، ولهذا تختلف باختلاف المرآة لا بالناظر ، فالحكم في الصورة الأكبر لحضرة المجلى لا للمتجلي ، كذلك الصورة الإنسانية في حضرة الإمكان ، لما قبلت الصورة الإلهية لم تظهر على حكم المتجلي من جميع الوجوه ، فحكم عليها حضرة المجلى وهي الإمكان ، بخلاف حكم حضرة الواجب الوجود لنفسه ، فهذا المقدار والشكل الذي لا يقبله الواجب ، وهو الناظر في هذه المرآة ، فهو من حيث حقائقه كلها هو هو ، ومن حيث مقداره وشكله ما هو هو ، وإنما هو من أثر حضرة الإمكان فيه ، الذي هو في