ابن عربي
62
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
رجعوا إلى الحق في حوائجهم من غير توبة التقريب كما قال : ( إِنَّكُمْ عائِدُونَ ) في القرب ، فعادوا كما قال ، فتعاين الملائكة ذلك الرجوع بالصورة ، فيستغفرون لمن في الأرض فيجاب الدعاء ، فإذا كان الرجوع بتوبة التقريب استغفر لهم الذين يستغفرون للذين آمنوا ، فما أعم الرحمة في الدنيا وما أخصها في الآخرة ، للّه مائة رحمة جعل منها واحدة في الدنيا ، فعمت هذا العموم على الانفراد ، ورحم الناس بها بعضهم بعضا ، فإذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة إلى التسعة والتسعين ورحم بها الخلق ، ووقعت بها الشفاعة وما عمّت هذا التعميم ، فانظروا هذا المعنى وتحققوه ، وكل الناس يحار فيه إلا من عرف أن التصرف للرحمة ، وغيرها إنما هو بحكم الموطن لا بنفسها ، فهنا السر الذي يحصل به العلم ، ثم إن اللّه بشر أهل الأرض بقبول استغفار الملائكة بقوله : « أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » ولم يقل الفعال لما يريد ، ومن هذا استروحنا مآل عباد اللّه إلى الرحمة وإن سكنوا النار ، فلهم فيها رحمة لا يعلمها غيرهم ، وربما تعطيهم تلك الرحمة أن لو شموا رائحة من روائح الجنة تضرروا بها ، كما تضر رياح الورد والطيب بأمزجة المحرورين . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 6 إلى 7 ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 6 ) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) « وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ » الجمع ظهر في ثلاث مواطن ، في أخذ الميثاق ، وفي البرزخ بين الدنيا والآخرة ، والجمع في البعث بعد الموت ، وما ثمّ بعد هذا الجمع جمع يعم ، فإنه بعد القيامة كل دار تستقل بأهلها ، فلا يجتمع عالم الإنس والجن « 1 » بعد هذا الجمع أبدا ، فإذا ظهر الحق لعباده فتولى الفصل بينهم بحكمه بنفسه - وهو العزيز العليم - فإذا فصل وحكم وعدل وأفضل ، جعلهم في الفصل فريقين « فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ » وهو الفريق السعيد في دار كرامته ، دار الثواب والنعمة ، وقيّم تلك الدار رضوان ، فإنها دار رضوان
--> ( 1 ) يعني مؤمنيهم وكافريهم .