ابن عربي

552

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ولهذا لما قالت اليهود لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم : انسب لنا ربك ؛ ما نسب الحق نفسه فيما أوحى إليه به إلا لنفسه ، وتبرأ أن يكون له نسب من غيره ، فأنزل عليه سورة الإخلاص نسبا له ، فعدد ومجد ، فكانت له عواقب الثناء بما له من التحميد ، ولم يقم لليهود من أدلة النظر دليلا واحدا ، فقال : [ سورة الإخلاص ( 112 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) قال تعالى في أول سورة الإخلاص لنبيه عليه السلام « قُلْ هُوَ اللَّهُ » [ « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » الآية : ] فابتدأ بالضمير ، ولم يجر له ذكر متقدم يعود عليه في نفس القرآن ، لأنه ما تمّ موجود يصح أن يضمر قبل الذكر إلا من يستحق الغيب المطلق ، الذي لا يمكن أن يشهد بحال من الأحوال ، فيكون ضمير الغيب له كالاسم الجامد العلم للمسمى ، يدل عليه بأول وهلة ، من غير أن يحتاج إلى ذكر متقدم مقرر في نفس السامع يعود عليه هذا الضمير ، فلا يصح أن يقال هو إلا في اللّه خاصة ، فإذا أطلق على غير اللّه فلا يطلق إلا بعد ذكر متقدم معروف بأي وجه كان مما يعرف به ، ويصح الإضمار قبل الذكر في ضرورة الشعر مثل قول الشاعر [ جزى ربه عني عدي بن حاتم ] وإن كانت اليهود قد قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : انسب لنا ربك ؛ فربما يتوهم صاحب اللسان أن هذا الضمير يعود على الرب الذي ذكرته اليهود ، ولتعلم أن هذا الضمير لا يراد به الرب الذي ذكرته اليهود ، لأن اللّه يتعالى أن يدرك معرفة ذاته خلقه ، ولذلك قال « قُلْ هُوَ اللَّهُ » فاختار الحق الاسم اللّه لنفسه ، وأقامه في الكلمات مقامه ، فهو الاسم الذي ينعت ولا ينعت به ، فجميع الأسماء نعته ، وهو لا يكون نعتا ، ولهذا يتكلف فيه الاشتقاق ، فهو اسم جامد علم ، موضوع للذات في عالم الكلمات والحروف ، لم يتسم به غيره جل وعلا ، فعصمه من الاشتراك ، كما دل أن لا يكون ثمّ إله غيره ، وما ذكر في السورة كلها شيئا يدل على الخلق ، بل أودع تلك السورة التبري من الخلق ، فلم يجعل المعرفة به نتيجة عن الخلق ، فقال تعالى « وَلَمْ يُولَدْ » ولم يجعل الخلق في وجوده نتيجة عنه كما يزعم بعضهم بأي نسبة كانت فقال تعالى ( لَمْ يَلِدْ ) ونفى التشبيه بأحدية كل أحد بقوله ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) وأثبت له أحدية لا تكون لغيره ، وأثبت