ابن عربي
55
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
التعريف « أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ » من الأعيان « شَهِيدٌ » على التجلي فيه والظهور ، يعني أن يكون دليلا على نفسه ، وأوضح الدلالات دلالة الشيء على نفسه بظهوره ، ولذلك ذكر الرؤية ، والآيات للتجلي ، فيتبين لهم أنه الحق ، يعني ذلك التجلي الذي رأوه علامة ، أنه علامة على نفسه ، فيتبين لهم أنه الحق المطلوب - الوجه الثالث - دليلك على الحق نفسك والعالم ، وهو قوله تعالى « سَنُرِيهِمْ آياتِنا » أي الدلالة علينا « فِي الْآفاقِ » وهو ما خرج عنهم « وَفِي أَنْفُسِهِمْ » وهو ما هم عليه ، وما كثّر اللّه لنا الآيات في العالم وفي أنفسنا - إذ نحن من العالم - إلا لنصرف نظرنا إليه ، ذكرا وفكرا وعقلا وإيمانا وعلما وسمعا وبصرا ونهى ولبا ، وما خلقنا إلا لنعبده ونعرفه ، وما أحالنا في ذلك على شيء إلا على النظر في العالم ، لجعله عين الآيات والدلالات على العلم به مشاهدة وعقلا ، فإن نظرنا فإليه ، وإن سمعنا فمنه ، وإن عقلنا فعنه ، وإن فكرنا ففيه ، وإن علمنا فإياه ، وإن آمنّا فبه ، فهو المتجلي في كل وجه ، والمطلوب من كل آية ، والمنظور إليه بكل عين ، والمعبود في كل معبود ، والمقصود في الغيب والشهود ، لا يفقده أحد من خلقه بفطرته وجبلته ، فجميع العالم له مصلّ ، وإليه ساجد ، وبحمده مسبّح ، فالألسنة به ناطقة ، والقلوب به هائمة عاشقة ، والألباب فيه حائرة ، يروم العارفون أن يفصلوه من العالم فلا يقدرون ، ويرومون أن يجعلوه عين العالم فلا يتحقق لهم ذلك ، فهم يعجزون ، فتكلّ أفهامهم ، وتتحير عقولهم ، وتتناقض عنه في التعبير ألسنتهم « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » فالعالم كله مرآة الحق ، وعندما يتحقق المتحققون بمحبة اللّه عزّ وجل ، ما يرون في العالم إلا صورة الحق ، ظهر فيه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، فالآيات هنا دلالات أنها مظاهر الحق ، فما ألطف سريان الحق في الموجودات ، فجميع الأشياء مظهر الحق ومجلاه - الوجه الرابع - « سَنُرِيهِمْ آياتِنا » وهي الدلالات وهو ما هم عليه « فِي الْآفاقِ » فما ترك شيئا من العالم ، فإن كل ما خرج من العالم عنك فهو عين الآفاق ، وهي نواحيك « وَفِي أَنْفُسِهِمْ » فأبان تعالى لنا في هذه الإحالة على أحسن الطرق في العلم به ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ من عرف نفسه عرف ربه ] وقال : [ أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه ] والنفس بحر لا ساحل له ، لا يتناهى النظر فيها دنيا وآخرة ، وهي الدليل الأقرب ، فكلما ازداد نظرا ازداد علما بها ، وكلما ازداد علما بها ازداد علما بربه « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » لا غيره ، فلو علمت نفسك علمت