ابن عربي
522
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فما عرفهم إلا ليلزموا الحياء منه تعالى في تعدي حدوده ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ استحيوا من اللّه حق الحياء ] ومن هذه الآية نعلم أن الممكنات وإن كانت لا تتناهى وهي معدومة ، فإنها عندنا مشهودة للحقّ عزّ وجل من كونه يرى ، فإنّا لا نعلل الرؤية بالموجود ، وإنما نعلل الرؤية للأشياء بكون المرئي مستعدا لقبول تعلق الرؤية به ، سواء كان معدوما أو موجودا ، وكل ممكن مستعد للرؤية ، فالممكنات وإن لم تتناه فهي مرئية للّه عزّ وجل ، لا من حيث نسبة العلم ، بل من نسبة أخرى تسمى رؤية ، كانت ما كانت ، لذلك لم يقل تعالى هنا : ألم يعلم بأن اللّه يعلم ؛ وبهذه الآية قصم الظهر وحير العقل ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال [ إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ] . [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 15 إلى 19 ] كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 ) جاء الأمر بالسجود هنا بعد كلمة ردع وزجر ، وهو قوله « كَلَّا » « لا تُطِعْهُ » لما جاء به من لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، يقول له ربه : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ » [ « كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ » الآية : ] لما تعتصم مما دعاك إليه فتأمن من غائلة ذلك ، وقد جعل اللّه القربة في الصلاة في حال السجود ، وليس الإنسان بمعصوم من الشيطان في شيء من صلاته إلا في السجود ، فإنه إذا سجد اعتزل عنه الشيطان يبكي على نفسه ، ويقول : أمر ابن آدم بالسجود فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ؛ وإنما أمرت الملائكة والخلق بالسجود وجعل معه القربة ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم [ أقرب ما يكون العبد من اللّه في سجوده ] ليعلموا أن الحق في نسبة الفوق إليه من قوله : ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) و ( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) كنسبة التحت إليه ، فإن السجود طلب السفل بوجهه ، كما أن القيام يطلب الفوق إذا رفع وجهه بالدعاء ويديه ، وقد جعل اللّه السجود حالة القرب من اللّه ، فلم يقيده سبحانه الفوق عن التحت ولا التحت عن الفوق ، فإنه خالق الفوق والتحت ، فشرع اللّه للعبد السجود ، وجعل له فيه القربة ، لأنه ربما يتخيل العبد تنزيه الحق عن التحت أن يكون له نسبة إليه ، فطلبت الوجوه بالسجود رؤية ربها ، لأن الوجوه مكان الأعين ، والأعين محل الأبصار ، فطلبه العبد في سجوده ليراه من حيث