ابن عربي
511
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وذلك في حق الإنسان ، فإنه قال له صلّى اللّه عليه وسلّم ( أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) ولذلك قال له « فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ » ، إذا وجدته فلا تقهره والطف به وآوه وأحسن إليه ، فإن القهر لا يأتي بالرحمة والمودة في قلب المقهور . [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 10 ] وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) [ « وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ » الآية - يدخل فيه السائل عن العلم ] سواء كان في القوت المحسوس أو المعنوي ، فإن العلم من هذا الباب ويدخل فيه ، والإفادة ، فإن الضال يطلب الهداية ، والجائع يطلب الطعام ، والعاري يطلب الكسوة التي تقيه برد الهواء وحره وتستر عورته ، والجاني العالم بأنك قادر على مؤاخذته يطلب منك العفو عن جنايته ، فاهد الحيران ، وأطعم الجائع ، واسق الظمآن ، واكس العريان ، فعمم بقوله « وَأَمَّا السَّائِلَ » وإن كان المقصود في سبب نزولها السؤال في العلم ، لأنه تعليم لحال سابق كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو قوله ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) فقال له « وَأَمَّا السَّائِلَ » إذا جاءك يسألك فإنما هو بمنزلتك حين كنت ضالا « فَلا تَنْهَرْ » فلا تنهره كما لم أنهرك ، وبيّن له كما بينت لك ، ولقد علمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا الباب في تأديب الصحابة ما يتأدب به في ذلك ، وذلك أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بين ظهراني أصحابه ، فقال [ يا رسول اللّه إني أسألك عن ثياب أهل الجنة ، أخلق تخلق أم نسيج تنسج ؟ فضحك الحاضرون من سؤاله ، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : ( أتضحكون أن جاهلا سأل عالما ، يا هذا الرجل إنها تشقق عنها ثمر الجنة ) فأجابه بما أرضاه ، وعلّم أصحابه الأدب مع السائل ، فأزال خجله وانقلب عالما فرحا ، فقد جرت العادة عند العلماء القاصرين عما ذكرناه أن المتعلم السائل إذا جاء ليسأل العالم عن أمر لا يعلمه ، فإن كانت المسألة بالنظر إلى حالة السائل عظيمة قال له : لا تسأل عما لا يعنيك ، وهذا ليس قدرك ، وتقصر عن فهم الجواب على هذا السؤال ، وليس الأمر كذلك ، ولا في نفس الأمر ، وإنما القصور في المسؤول حيث لم يعلم الوجه الذي تحتمله المسألة بالنظر إلى هذا السائل ، فيعلمه به ليحصل له الفائدة فيما سأل عنه ، ويستر عنه الوجوه التي فيها مما لا يحتمله عقله ، ولا يبلغ إليه فهمه ، فيسر السائل بجواب العالم ويصير عالما بتلك المسألة من ذلك الوجه ، وهو وجه صحيح ، فما سأل سائل قط في مسئلة ليس فيه أهلية لقبول جواب عنها ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ إن اللّه أدبني فأحسن