ابن عربي
446
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
اعلم أن كل مقام سيد عند كل عبد ذي اعتقاد إنما هو بحسب ما ينشئه في اعتقاده في نفسه ، ولهذا قال اللّه « مَقامَ رَبِّهِ » فأضافه إليه وما أطلقه ، وما تجد قط هذا الاسم الرب إلا مضافا مقيدا ، لا يكون مطلقا في كتاب اللّه ، والاسم الرب من حيث دلالته هو الذي يعطي في أصل وضعه أن يسع كلّ يعتقد يعتقد فيه ، ويظهر بصورته في نفس معتقده ، ولذا يتجلّى لهم يوم القيامة في صور اعتقادهم . فممن يخاطب الحق بهذه الآية أهل المقامات العلى ، من إطلاق اسم الرب الذي يقبل التجلي في صور الاعتقادات ، فصاحب هذا المقام لا يزال خائفا حتى يأتيه البشرى في الحياة الدنيا بأن الأمر كما قال [ « وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى » الآية - الموت الأحمر : ] « وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى » - الوجه الأول - الهوى هو تقييد الرب بصورة معينة في نفسه ، وعدم إطلاقه في التحول في صور الاعتقادات - الوجه الثاني - اعلم أن الهوى ما هو غير عين الإرادة ، وكل مراد إذا حصل لمن أراده فهو ملذوذ للنفس ، فكل إرادة فهي هوى ، لأن الهوى تستلذه النفوس ، وما لا لذة لها فيه فليس بهواها ، وما سمي هوى إلا لسقوطه في النفس ، وقد جعل اللّه زمام كل نفس بيد صاحبها ، وأمرها إليه ، وأنزلها منزلة الأجنبي وليس إلا عينها ، فقال تعالى « وَنَهَى النَّفْسَ » يعني نفسه « عَنِ الْهَوى » المردي ، وهو إرادة النفس ما لم يشرع لها العمل به أو تركه ، فيأمره الهوى بمخالفة ما أمره اللّه به أن يفعله أو ينهاه عنه ، فيكون هواها لا تأتيه من حيث ما هو هواها ، بل من حيث ما هو إرادة الحق ، وهذه الآية نص في المجاهدة بكسر الصفات البشرية ، وإنما يتيسر ذلك تماما بتربية شيخ كامل يخرجك عن كل مألوف معتاد ، ويقطعك عن كل أستاذ سوى رب العالمين ، ولا يمكن حصر ذلك تفصيلا ، فمن لم تنفعه الكلمة لم تنفعه القناطير ، فإن أوصاف الخلق لا تحصر بالأساطير ، فالعمل في ذلك خلاف كل هوى نفساني ، والخروج عن العادة سوى الفرائض بغير المحظورات ، فمن حيث تعدد الهوى بتعدد المهويات والمشتهيات والمألوفات قيل : الطريق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق ؛ ومن حيث اتحاده قيل الطريق واحد ، والنفس واحد متعدد بحسب القوابل . فليحذر الإنسان أن تقوم عليه حجة الدنيا والشيطان ، فليس لهما عليه من سلطان ، فلا تقل تزينت لي الدنيا ودعاني الشيطان ، فأوقعاني في الخسران ، أنت الذي أجبتهما ووقعت معهما ، وليس لعنهما غير طردهما عنك بتنحيك عنهما ، من حيث أنت لا من حيث هما ، فذاك لعنهما بلسان الحال ، وهو أصدق من لسان المقال ، وقد نبّهت على ذلك بالنهي عن لعن الدنيا ، وليس