ابن عربي
431
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وَإِمَّا كَفُوراً » راجع للمخاطب المكلف ، فإن نوى الخير أثمر خيرا ، وإن نوى الشر أثمر شرا ، فإن اللّه لما بين السبيل للعبد إلى سعادته جعله ذا اختيار في أفعاله ، ولهذا يصح منه القبول والرد ، ويعاقب ويثاب ، وعلى هذا قام أصل الجزاء من اللّه تعالى لعباده ، واعلم أن اللّه تعالى خلق جميع من خلق في مقام الذلة والافتقار ، وفي مقامه المعين له ، فلم يكن لأحد من خلق اللّه من هؤلاء ترقّ عن مقامه الذي خلق فيه إلا الثقلين ، فإن اللّه خلقهم في مقام العزة ، وفي غير مقامهم الذي ينتهون إليه عند انقطاع أنفاسهم التي لهم في الحياة الدنيا ، فلهم الترقي إلى مقاماتهم التي تورثهم الشهود ، والنزول إلى مقاماتهم التي تورثهم الوقوف خلف الحجاب ، فهم في برزخ النجدين « إِمَّا شاكِراً » فيعلو فله منزل السرور « وَإِمَّا كَفُوراً » فيسفل فله سوء المصير والثبور . قال تعالى ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) فمن أراد طريق العلم والسعادة فلا يضع ميزان الشرع من يده نفسا واحدا ، فإن اللّه بيده الميزان لا يضعه ، وكذلك ينبغي للمكلف بل للإنسان أن لا يضع الميزان المشروع من يده ما دام مكلفا ، فإن كل حركة في المكلف ومن المكلف وسكون ، لميزان الشرع فيه حكم ، فلا يصح وضعه مع بقاء الشرع . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 4 إلى 5 ] إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) أهل الجنة لا يظمئون فيها ، وهم فيها يشربون شرب شهوة والتذاذ ، لا شرب ظمأ ، ولا دفع ألمه . [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 6 ] عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) وتفجيرهم إياها عين المزاج ، فلو جرت من غير تفجير ، من كونه على كل شيء قديرا ، لكان شراب المقربين ، الآتي من تسنيم ، على البار المنعم بالتنعيم ، فبين المقرب والبار ، ما بين الأعين والآثار .