ابن عربي

401

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة المزمل ( 73 ) : آية 6 ] إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ( 6 ) [ ناشئة الليل : ] كان صلّى اللّه عليه وسلّم ينشئ في الليل بما وفقه اللّه إليه من العمل الصالح الذي شرعه له صورا عملية ليلية ، ولم تكن هذه الصور إلا الصلاة بالليل دون سائر الأعمال ، وفيها يقرأ القرآن ، ولذلك قال « أَشَدُّ وَطْئاً » أي أعظم تمهيدا ، لأنه قال ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) وليس إلا القرآن الجامع ، وأشد ثباتا ، فإنه لا ينسخ كما نسخت سائر الكتب قبله به ، وإن ثبت ما ثبت منها مما ورد في القرآن ، ولهذا جاء بلفظة المفاضلة في الثبوت ، فهو أشد ثبوتا منها لاتصاله بالقيامة ، وفيه ما في الكتب وما ليس في الكتب ، ثم قال عن هذا العمل المنشإ « وَأَقْوَمُ قِيلًا » ولا أقوم قيلا من القرآن ، وإن كان القيل الإلهي كله قويما ، فإن الاستقامة سارية في الأقوال ، كما هي سارية في الجواهر والأعراض والأحوال ، ولكن فيه قويم وأقوم بالنسبة إلينا ، مثل قوله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) هذا من أقوم القيل ، فإنه ما من شيء يكون فيه كثرة لأمثال إلا ولا بد فيه من التفاضل حتما ، فالقرآن أقوم قيلا ، وهو الحاوي على كل شيء أوتيناه وأهدى سبيلا : نواشئ الليل فيها الخير أجمعه * فيها النزول من الرحمن بالكرم يدنو إلينا بنا حتى يساعدنا * بما يدليه من طرائف الحكم فالكل يعبده والكل يشكره * إلا الذي خص بالخسران والنقم إن الولي تراه وقت غفلته * يبكي ويدعوه في داج من الظلم يا رب يا رب لا يبغي به بدلا * خلقا عظيما كما قد جاء في القلم وفي إنشاء هذه الصور العملية يستعين صلّى اللّه عليه وسلّم وورثته من بعده باللّه لإحيائها - حياة تقع بها الفائدة - وإنشائها على الشهود ، وهو قوله تعالى ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) . - رقيقة - من كان خلقه القرآن من ورثته صلّى اللّه عليه وسلّم وأنشأ صورة الأعمال في ليل طبيعته فقد بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من قبره ، فحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد موته حياة سنّته ، ومن أحياه فكأنما أحيا الناس جميعا . [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 7 ] إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ( 7 )